نزع سلاح حماس وتمكين الشرعية الوطنية... ضرورة تاريخية
أحمد الرفاعي

في لحظة حاسمة جديدة من تاريخ الصراع، لا تكفي المجاملات الدبلوماسية ولا البيانات المعتادة للتعامل مع واقعٍ بات واضحا ومؤلما: استمرار وجود قوة مسلّحة غير خاضعة للشرعية داخل قطاع غزة تحت ذريعة المقاومة هو من أسباب تجدد الحروب وإطالة معاناة المدنيين.
حماس، كقوة مسلحة وممارس للحكم في غزة، لم تعد مجرد فاعل سياسي يُناقش دوره؛ بل تحولت مصدرا رئيسا لتهديد الأمن الإقليمي والمحلي، ومبررا دائما لعودة العنف تحت مسمى المقاومة. لذلك من المنطق والأخلاق الدعوة الصريحة إلى أن تخرج حماس من المشهد السياسي الأمني وتسلم سلاحها، كشرط أساسي لدفع عملية سلام حقيقية وحماية المدنيين ووقف دورة العنف التي أزهقت أرواحا لا تُحصى.
ويُنظر إلى هذا الطرح باعتباره جزءا من توجه أوسع يتردد في الأوساط السياسية والدبلوماسية، ويتقاطع مع مواقف رسمية متنامية على الساحة الدولية والفلسطينية.
الرئيس محمود عباس عبر بوضوح عن دعمه لنزع سلاح حماس واستعداده لدعوة قوات عربية ودولية للانتشار في الأراضي الفلسطينية ضمن مهمة استقرار وحماية مرخصة من مجلس الأمن، معتبرًا أن السلاح المنفلت يقوض سلطة الدولة ويعرقل مشروع بناء دولة فلسطينية مرتكزة على مؤسسات القانون والشرعية. إن توقيت ومضمون رسالة الرئيس يعكسان إدراكا فلسطينيا بقيادة السلطة الوطنية بأن استمرار موازنة القوى المسلحة داخل المجتمع الفلسطيني بات خطرا وجوديا على المشروع الوطني نفسه.
على الضفة الأخرى، المجتمع الدولي يتحدث بصوت واحد تقريبا عن ضرورة وضع آليات تحقق ومراقبة دولية تجنب المنطقة مزيدا من الدماء، وتربط أي مسار سياسي بخطة لإعادة الإعمار وبضمانات أمنية قابلة للقياس. تصريحات دولية رفيعة أكدت أن هناك خريطة طريق تتضمن وقفا لإطلاق النار، وإشرافا دوليا على المرحلة الانتقالية، مع بند واضح يطال نزع السلاح كجزء لا يتجزأ من الحل. من غير المقبول أن يبقى بند نزع السلاح مادة جدلية تُؤجل وتؤجل بينما تزداد فاتورة الحرب الإنسانية.
نحن اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما توافق حقيقي على إخراج السلاح من المعادلة السياسية والأمنية داخل غزة، وتشكيل بديل أمني مدعوم دوليا يضمن حماية المدنيين والحفاظ على مؤسسات السلطة، أو بقاء الحالة الراهنة التي ستؤدي بالضرورة إلى تجدد الصراع وعودة الدمار.
المطلوب من المجتمع الدولي ليس كلمات تعزية، ولا وعودا عاطفية، بل إجراءات عملية تشمل قرارا دوليا واضحا يمنح قوة حفظ سلام صلاحيات تنفيذية للتحقق من نزع السلاح، وجدولا زمنيا لانسحاب القوات الأجنبية أو الإسرائيلية تبعا لنتائج التحقق، وبرنامج إعادة إعمار مرتبطا بشروط أمنية وسياسية تضمن عدم تحوّل القطاع إلى منطلق جديد للمهاجمات.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل عامل مركزي وحاسم: قبول الشعب الفلسطيني وفاعليته السياسية. الحل القائم على نزع السلاح يجب أن يترافق مع ضمانات سياسية واضحة تتيح إعادة بناء مؤسسات تمثل الفلسطينيين وتستعيد الحقوق المدنية والاقتصادية والخدمات الأساسية. اخراج حماس من المشهد لا يعني محو قضايا الناس أو تجاهل مطالبهم؛ بالعكس، إنه شرط لجعل تلك المطالب ممكنة بطرق سلمية ودستورية. في المقابل، استمرار الاحتفاظ بالسلاح تحت ذريعة المقاومة قد يبدو مقبولا لبعض الفئات عاطفيا، لكنه عمليا يكرّس معاناة الأجيال ويقوّض أي أفق للدولة أو السلام.
وفي ضوء هذا المشهد المعقد، تتقدم بعض المقاربات التي تدعو حركة حماس إلى إعادة تقييم حضورها ودورها السياسي والأمني داخل قطاع غزة، بما يشمل بحث خيارات تتعلق بوضع السلاح ضمن ترتيبات رقابية دولية. ويُنظر إلى مثل هذه الخطوات باعتبارها جزءا من مسار أوسع يهدف إلى تعزيز قدرة المؤسسات الفلسطينية على أداء مهامها المدنية والقانونية، وخلق بيئة أكثر استقرارا للمواطنين.
ويرى مؤيدو هذا التوجه أن تقليص الدور العسكري في الحياة العامة قد يساهم في تخفيف التوترات وفتح الباب أمام حلول سياسية قابلة للتطبيق، شريطة أن تُقدّم المصلحة العامة للمجتمع على أي اعتبارات تنظيمية. وفي هذا الإطار، تُطرح هذه الرؤية بوصفها محاولة لإيجاد مقاربة أكثر توازنا تتيح معالجة التحديات الأمنية دون إغفال الاحتياجات الأساسية للفلسطينيين وحقهم في مؤسسات فاعلة وقادرة على تلبية تطلعاتهم.
في الختام، إن الاستمرار في التلكؤ أو التذرع بالمعوقات لن يؤدي إلا إلى مزيد من الدم والدمار، بينما الشجاعة السياسية في هذه اللحظة قد تفتح أبواب خلاص لمن تبقى على قيد الحياة ويمنح الأجيال القادمة فرصة حقيقية لبناء مستقبل يرى فيه الإنسان قيمة تفوق السلاح.