عرفات.. فلسطين أولا وأخيرا
باسم برهوم

أثناء حضوره الطاغي، كان الفلسطينيون، خاصة من هم منخرطون في الثورة يتمازحون في جلساتهم الخاصة ويقولون "أبو عمار متجوز القضية"، للإشارة إلى انه يهب حياته، ووقته وجهده لفلسطين والقضية الفلسطينية. يهبها دون انقطاع، بل وبإلحاح وإصرار غريب أحيانا، وحاضرا ومن يدركون البعد الأعمق ليسار عرفات، يطلقون عليه "ابو الوطنية الفلسطينية"، بمعنى ان الفضل يعود له في إعادة بعث الهوية الوطنية الفلسطينية المرتبطة بالارادة الوطنية الحرة، وبالتعبير الحر عن الشخصية الوطنية الفلسطينية وبإمساك الشعب الفلسطيني لقراره الوطني المتعلق بشؤونه وشؤون قضيته.
فلسطين كانت بالنسبة لعرفات هي أولا وأخيرا. لم تحد بوصلته عنها حتى في أحلك الظروف وأعقد الازمات التي مرت بها الثورة الفلسطينية.. أثناء وجود الثورة في الاردن، وبينما رفعت المنظمات اليسارية شعار "لا سلطة فوق سلطة المقاومة" والذي استفز الاردن الشقيق، كان ابو عمار وفتح يصرون على أن هدف الثورة الوحيد هو تحرير فلسطين، وأن ليس من مصلحة الثورة الفلسطينية التدخل بالشؤون الداخلية للدول العربية، الا ان تطور الاحداث جرف الجميع إلى مواجهة لم يكن مرغوبا بها بتاتا. والأمر ذاته في لبنان، فان الظروف والواقع وطبيعة المرحلة هي التي دفعت الثورة الفلسطيتية باتجاه لبنان، بالإضافة إلى العامل الجيوسياسي، ورغم الانجرار نحو الحرب الأهلية عام 1975 والتورط بها إلا أن حركة ياسر عرفات وتحركاته بقيت تنحصر في ما يمكن ان يفيد القضية الفلسطينية.
ياسر عرفات كان يعيش حياة شخصية متقشفة جدا، ملابس عسكرية بسيطة، كل ما يملكه من ملابس لم يكن يملأ ضرفة خزانة واحدة، ومكتب، وغرفة نوم بسيطة، سرير عسكري صغير طاولة وكرسي ومتطلباته الشخصية محدودة.. يمكن لأي شخص ان يذهب لمتحف ياسر عرفات في المقاطعة في رام الله ليرى بنفسه عن ماذا أتحدث. كان قليل النوم، يبقى مستيقظا حتى ساعة متأخرة من الليل، او حتى الفجر، كثير الحركة، سريع البديهة، وبذاكرة حديدية لا ينسى الوجوه والأسماء.
وإذا أردنا تحليل شخصية ياسر عرفات القائد للحركة الوطنية الفلسطينية، على امتداد اربعة عقود، فإنها من ذلك الجيل الذي يمكن اعتباره امتدادا للقيادة التقليدية، التي قادت الحركة الوطنية قبل العام 1948. لكنه اكثر حسما وجذرية بما يتعلق بالوطنية الفلسطينية، ودفاعا عن فكرة الامساك بالقرار المتعلق بفلسطين دون أن يفرط بهذا القرار.
كان ابن مرحلته.. متألقا بين حركات التحرر الوطني، التي كانت طاغية على المشهد الدولي. منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، لم يضع نفسه ولا وضع فتح في قفص الايديولوجيات. كان يقول "أنا حر فلماذا أضع نفسي في قفص الايديولوجيا؟". حر في صياغة تحالفاته، براغماتي، لكن فلسطين هي الثابت الوحيد لديه.
ياسر عرفات ظاهرة استثنائية، من زاوية حركته التي لا تتوقف أبدا.. اليوم في بيروت، غدا في موسكو، بعد غد في القاهرة، أو الرياض. يجول في القارات الخمس، يشارك في كل المؤتمرات ليبقي القضية الفلسطينية حية موجودة على جدول الاعمال الدولي، زار النيبال مثلا، التي لا تخطر على بال أحد، وعندما فتحت أبواب أوروبا الغربية أمامه بدأ موجة أخرى من الحركة، وكون صداقات مع الرئيس الفرنسي ميتران ومن بعده شيراك، وكان له علاقات مع المستشار النمساوي برونو كرايسكي، وغيرهم وغيرهم، وفي كل تحركاته كان مسكونا بفلسطين.
أصاب عرفات كثيرا، وأخطأ في مرات أيضا. فهذا أمر يمكن فهمه، فهو ورفاقه المؤسسون لفتح، انطلقوا بالثورة من المستحيل، في لحظة كانت أجهزة المخابرات العربية تحكم السيطرة على نفس الشعوب، وقاد الثورة في اكثر الظروف تعقيدا، وفي ظل وجود أنظمة عربية تريد استخدام القضية الفلسطينية كورقة.
عرفات وحد الشعب الفلسطيني، الذي شُتّت بالنكبة، أعاد له هويته الوطنية، حرر إرادته واصبح له قيادة معترف بها عربيا ودوليا، تمتلك حصرية تمثيله، وفي كل هذا وذاك كانت فلسطين هي أولا وأخيرا، هكذا كانت معادلة ياسر عرفات حتى رحيله المفاجئ.
مواضيع ذات صلة
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!
المستوطنة المجاورة: جيرة قسرية