للروح جَولانهِا ورؤاها!
تغريدة الصباح -حسن حميد

يا الله، لكأنني في عالم من ضباب لغوب، وغبش لجوج، وبخار لماء كبريتي دافئ، أو لكأنني في عالم من نبات حميم يحيط بي؛ نبات كله طراوة وألوان ونحولة وروائح طيبة.. يهتز ويتمايل مع الأنسام، نبات يهمهم ويتمتم ويتعالى.. كيما لا يحنيه الندى أو يغرقه، وأزاهير تجول وتمشي في بساتين وسيعة، تسابق الفراشات، وتحمل النحل والروائح وتصعد عالياً نحو الطيور المحومات؛ وينابيع وغدران، ترتب حولها، وبأناة وهدوء، أجمات القصب، وأسيجة توت العليق، وتعلق التراويد والأعلام كثيرة الألوان على شجر الخروب الخرافي، وتنادي الدروب كي تقترب منها أكثر، لتحمل الناس إلى الحقول والقرى .
بلى، لكأنني في عالم آخر، أو في برزخ من غيوم، قليل الضوء، يقودني إلى عالم آخر، فأنا أرى أمامي، وحولي عرائش من خيزران، وأخرى من أعواد القصب، وثالثة من أعواد الزل، ورابعة من قش رهيف لطيف حزمته الحبال بشدة حتى استوت وقفاته، وأمام كل عريشة وقف خلق، وجوههم، من بعيد، غير واضحة، لكنني أشعر بأن جسدي يطير نحوهم كي يلتقيهم، إنهم يرفعون أيديهم، ويهزونها في الهواء الطلق، ويلتفتون، ويتكلمون، إنني أسمع همهمات أصواتهم، لكن لا أفهم ما يقولونه، لهذا، أدفع خطاي كي أضاعف من سرعتي لأصل إليهم.
ياه، ما هذا؟! إنني أعرف هذا الرجل الواقف، في النور، قبالة باب عريشة الخيزران الدانية مني، أعرف قيافته وطوله، وجبهته العريضة، ووجهه المضيء، أسمع صوته الهادئ الرخيم، وأنتظر استدارة جسده الكاملة كيما أواجهه، وكيما أنطق اسمه، ها هو الآن، قبالتي تماماً، إنه الروائي جبرا إبراهيم جبرا، صاحب (صراخ في ليل طويل)، و(شارع الأميرات)، و(البحث عن وليد مسعود )، و(السفينة)، وصاحب الشعر التموزي الجديد، والنقد المهيب الرصين، والترجمات النايفات، وصاحب الهندمة المدهشة، والهدوء المربك، والجمل التي تقول ما يطرب، وما يشتهى، ها هو صوته واضح، وكلامه يضيء، أنه يتحدث لآخرين حديث المألوم الجريح: نعم، كتبت (البئر الأولى) لأقول لمن أنكرني، إنني ابن البلاد العزيزة، ابن بيت لحم، وأن قدمي الحافيتين طوال سنين الطفولة الأولى تعرف أدراج بيت لحم، أكثر مما تعرف الأشجار ثمارها، والأمهات ولدانها، كل ندبة في قدميّ وذراعيّ ووجهي تصرخ بمحبة وحنين وشوق: بيت لحم، بيت لحم! (وتترامش أجفانه، ويجرض بريقه)، وقد أحببت القدس، فعلتها مرآتي، وقدمتها على كل أمكنة الدنيا، عملت فيها نجاراً مثل سيدي، فعشقت كل ما في نشارة الخشب من حنين ولطف ولين، وشممت روائح وقائد الشمع فوق عتبات كنيسة القيامة، وقربها، وفي داخلها كي تصير عطري، ويصير نورها الهادي لي، بكيت مرتين، مرة حين أعطاني أستاذي رجا أبو العينين جائزة تفوقي في اللغتين العربية والانكليزية، وكانت حذاء جميلاً، حلمت بمثله طوال طفولتي، حذاءً كان أكثر جمالاً من البلور، ومن صفحات ماء الغدران القريبة من بيت لحم، ومن أكف الصبايا المحناة، بل أجمل من قنطرة بلدية بيت لحم الحجرية العالية، والمرة الثانية، بكيت، حين باعت أمي حذاء الجائزة الذي لم ألبسه، ولم أماشيه، أو أتباهى به، باعته بجنيهين اثنين كيما تشتري الدواء لأخي يوسف، وحين سألتها ودموعي ترنخ وجهي، والحذاء الذي وعدتني به، قالت: افرح..اشتريت لك حذاء بقرشين.
(وأراه ينحني، ثم يرفع رأسه، ويمشط شعره بأصابعه الطويلة، ويقول): ثم، وفي شبابي، بكيت مرة ثالثة، بكائي المر الواعي، حين حالت الحرب العالمية الثانية بيني وبين ايفادي إلى الجامعة الانكليزية، كي أتم دراستي فيها، وكي أحدث الخلق هناك، أساتذتي، وزملائي، وأصدقائي، عن القدس، وعمرانها الساحر، وعتباتها وأسواقها وساحاتها وناسها ومقاهيها ومطرها النثيث الحيي، وهوائها الرخي، وعن روائح القهوة التي تمشي الهوينا من بيت إلى بيت، وتمر من شرفة إلى شرفة، وعن الطمأنينة والسلام، والهدوء والرضا، والمحبة التي جعلت أصحاب البيوت يعلقون أسماءهم في لوحات مكتوبة، معلقة أو منقوشة، فوق الأبواب، ففي القدس لا غموض، ولا اضمار، ولا سرانية، ولا وحشة، هنا الدعاء، والكلام، والمحبة، والصدق، والدعاء، والشكر، والرضا، والابتسام.. كله جهر، وقناعات أكيدة، وفي القدس نداءات، لا تصير أصواتاً، ملأى بالوشوشات والهمس، لعل أبداها هو الترحاب الذي تبديه صواني الكعك المقدسي، حين تطلق روائحها الزواكي وتسلمها للريح التي تهبط بها وتصعد كما لو أنها الطيور اللاهية، وفي القدس طيوف كثيرة لفتنة المكان وسطوته، فأنت ترى من وضع قلادة الصليب في عنقه فتتأرجح طرباً، وهو يواقف مئذنة علت بها الأحجار القمرية حتى كادت تطاول سحب السماء، وترى من يقول: يا رحمن يا رحيم، وهو ينظر بالدهشة الكاملة إلى برج تعالى ثم علا، وهو يحمل أجراس الكنيسة إلى علوة راكنة في الفضاء، وقد راحت الحبال الثخينة تحرك الأجراس.. كيما يهب هواء رهيف.
(نعم، أحسنت أيها الشاب الناحل، فأنت تقدم الماء المطيب بورق الغار، لسيدي جبرا إبراهيم جبرا، ليشرب، وقد أحسست مثلي بأن حلقه جف أو كاد، أحسنت وأنت تنظر إليه بهذا الذهول والدهشة، أرجوك ألا تستعجل، ألا تتحرك، دعه يرتوي بهدوء، أتلاحظ كيف يشرب؛ إنه طير من الطيور، يأخذ الماء إليه قطرة قطرة، تلبث أرجوك، وابق هكذا على وقفتك، وذراعك الأولى تطوق الثانية، ها هو يمسح شفتيه بمنديله القماشي الأبيض، ليرسم طيف ابتسامة)، ثم، ثم لا أدري، لكأنني سهوت، أو أن جسدي سرى فيه الخدر، وإلا.. من أغمض عينيّ، ها أنذا أستعيد يقظتي، وألوم نفسي وأوبخها، لأن سيدي يتكلم، ولا بد من أن الكثير فاتني، ها هو يضيف: وقد كتبت وقرأت ورسمت، ونقدت، وترجمت، وسافرت، ودرست، وصادقت، والتقيت، وسألت، وتحملت، وعشت، وناقشت، وأسست، وكابدت، وكرهت، وأحببت، ونذرت، وانعطفت، والتفت، وسهرت، وساهرت، ومشيت، ووقفت، وناظرت، وفكرت، وعاتبت، ولمت، وصفحت، وسامحت، وحلمت.. بشيء واحد هو أن أعود ذلك الصبي الشقي، الذي عشق صعود أدراج بيت لحم، الصبي الباكي لأنه لم يلبس حذاءه/ الجائزة، والصبي المشتهي لفطيرة قمرية من حلويات العم عطية، وقد غطها بالقطر مرتين، والصبي العاشق للكرم الذي جمع أترابه على مصطبة البيت ليأكلوا الرز بالحليب المحلى بالسكر من زبادي البيت البلورية، وفي غفلة من أمه، وكأنهم أفندية بيت لحم لابسو الطرابيش الخمرية، والصبي المتعطش للعلم الذي حفظ ألفية ابن مالك في ليلتين، والصبي الذي ضبطه الشماس، وهو يكتب على سور الكنيسة بما تبقى من دهان، في علبة دهان مرمية، لون دهانها أحمر: بلادي، بلادي، فخاف عقوبته، لكن الشماس، حين قرأ الكلمتين، ابتسم له، وقال: عفارم!.
أجل، للروح جَولانهِا ورؤاها،
وقد كنت معها، في جَولانهِا، ورؤاها!