الزراعة المائية.. أحد الحلول المطروحة للتكيف مع التغيرات المناخية
وسام سوداح*

اضحت الزراعة المائية الخيار الامثل وأحد الحلول الرئيسية الهامة للتكيف مع التغيرات المناخية التي اتضحت معالمها منذ عدة سنوات واصبحت جلية وخلال السنتين الماضيتين.
إن التغيرات المناخية وما ترتب عليها من انخفاض كبير في مستوى الأمطار وما نتج عن ذلك من شح المياه ونقصها وبالنتيجة اصبح المزارع الفلسطيني يعاني من عدم توفر المياه الكافية للزراعة وارتفاع اسعارها بشكل ملحوظ خصوصا في مناطق جنوب الضفة الغربية وتحديدا منطقة الخليل التي وصل سعر كوب الماء الواحد الى (18) شيقلا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، ظهرت لدى المزارعين أمراض نباتية وأصناف من الحشرات التي أصبح هناك حاجة ملحة لإيجاد علاج فعال لها، فضلا عن ارتفاع أسعار الأسمدة والمبيدات بشكل غير مسبوق.
كل ذلك دفع الكثير من المزارعين للعزوف عن الزراعة والتوجه للبحث عن مصدر رزق آخر يحقق لهم الاستقرار الاقتصادي في ضل غلاء المعيشة في فلسطين، وعدم الاستفادة المادية من الزراعة بحيث أصبحت تكاليف الإنتاج أعلى بكثير من الإيرادات المحققة من بيع المنتجات الزراعية.
وتشير التقارير الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) والبنك الدولي (World Bank) والأمم المتحدة (UN water)، أن 70% من المياه العذبة تذهب الى قطاع الزراعة.
وبالتوجه إلى الزراعة المائية، تؤكد التقارير الصادرة عن الخبراء والعاملين فيها، أنه يمكن تخفيض هذه النسبة إلى النصف تقريبا، حيث توفر الزراعة المائية ما يقارب 50-70% من استهلاك المياه المستخدمة في الزراعة التقليدية في التربة.
وحتى مع توفير الزراعة المائية كميات كبيرة من المياه، إلا أنها في ذات الوقت توفر على المزارعين تكاليف باهظة، فمن جهة يتفادى العاملون في تكنولوجيا الزراعة المائية؛ تكاليف تتعلق بمكافحة أمراض التربة ومشاكلها وإزالة الأعشاب الضارة، ومن جهة أخرى، القدرة على الضبط والتحكم الكامل في عملية الزراعة حتى الإنتاج، والحد من استخدام المبيدات الفطرية والحشرية واستخدام بدلا منها المكافحة البيولوجية والاعداء الطبيعية، بحيث إن التحكم الكامل في درجات الحرارة والرطوبة وتنظيم عملية الري، كل ذلك يلعب دورًا مهمًا جدا في نجاح عملية الإنتاج والحصول على أفضل النتائج وأهمها الحصول على منتج صحي وآمن.
وعلى الرغم من أن التكلفة التأسيسية لمشاريع الزراعة المائية مرتفعة، إلا أنها تدفع لمرة واحدة. فعند عمل دراسة جدوى لمشروع زراعة مائية، يجد الباحث عند تأسيس مشروعه أنه قادر على زراعة أضعاف ما يزرع من في التربة. على سبيل المثال، يمكن زراعة 16 ألف - 20 ألف خسة في الدونم الواحد في نظام Nft ونظام الأحواض العائمة العميقة. يمكن تطبيق ذلك على الثمريات كالطاطم أو الخيار أو الفلفل وغيرها، بحيث إنه يمكن زراعة 3100 شتلة منها إذا تم اعتماد نظام الوسط الزراعي (مسارب التوف).
فلم تعتد الزراعة تقتصر على الأرض، بل أصبح بالإمكان الزراعة داخل الغرف المغلقة وعلى أسطح المنازل، وفي المناطق الضيقة، فأنظمة الزراعة المائية متنوعة ومتعددة، فكل نظام منها يعتبر تكنولوجيا بحد ذاته. واختيار النظام الأمثل يعتمد على النبات المراد زراعته، وهذه الأنظمة تقسم إلى أنظمة الزراعة المائية (Hydroponics) مثل نظام (NFT) ونظام (الأحواض العائمة) ونظام (Aeroponics)، والقسم الآخر نظام الزراعة المائية بدون تربة (Soilless Culture) مثل نظام الدتش بكت ونظام الوسط الزراعي.
وفي الزراعة المائية تستخدم أوساط زراعة خاملة بشكل شبه كامل وهذه الأوساط تكون معقمة، لذلك تكون الزراعة المائية آمنة ولا يحتاج المزارع الى تعقيمها -على الرغم من أنه يوصى بالتعقيم- حتى تفادي تعرضها لأي أمراض أو التصاق حشرات بداخلها نتيجة النقل وعدم حفظها وتخزينها بالشكل المناسب. والأوساط الزراعية المستخدمة في الزراعة المائية متنوعة مثل الحجر البركاني، ألياف جوز الهند (كوكابت)، البرلايت، الفيرمكلايت، البيتموس وكرات الطين. فكل وسط من هذه الأوساط لها مميزاتها وعيوبها، حيث يوصى المزارع باختيار الوسط الزراعي المتوفر في فلسطين والأقل تكلفة والخامل إلى حد ما، وغير القابل للتحلل بشكل سريع بحيث يمكن استخدامه لأكثر من موسم زراعي.
ويجب على العاملين في الزراعة المائية استخدام جهاز لقياس الملوحة (Ec،TDs ) وجهاز قياس الرقم الهيدروجيني (pH). فاستخدامها أساسي لنجاح العملية الزراعية. وتختلف درجة الملوحة والحموضة باختلاف صنف النبات المزروع، فالنباتات تختلف درجة تحملها للملوحة والحموضة، فهنالك نشرات يمكن للمزارعين اعتمادها للتسهيل عليهم، حيث يوصى المزارع بمعايرة الأجهزة سالفة الذكر بشكل مستمر كل شهر مرة على الأقل، وتحديدا جهاز قياس الحموضة ( pH).
وتعتمد في الزراعة المائية محاليل مغذية وهي عبارة عن محلول (A) يتكون من النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم والمغنيسيوم والعناصر الصغرى، محلول (B) يتكون من الكالسيوم والحديد المخلبي، بحيث يتم تجهيز الملحلول وفقا لأرقام محددة ويفضل إخضاعه للتجارب قبل استخدامه على نطاق واسع. وإضافة هذه المحاليل يتم بالاعتماد على استخدام الأجهزة سالفة الذكر من أجل الضبط الدقيق لدرجة الملوحة والحموضة التي يجب تحديدها بدقة.
وفي الختام، أوصي وزارة الزراعة الفلسطينية ونقابة المهندسين الزراعيين ونقابة المزارعين، إيلاء اهتمام خاص بالزراعة المائية، التي يرى خبراؤها أنها زراعة المستقبل في ظل ما نعانيه من التغيرات المناخية، ونشر مقالات دورية بخصوصها وتدريب المهندسين الزراعيين عليها حتى تكون لدينا الكفاءات اللازمة لنكون من الرواد في هذا المجال على المستوى الإقليمي والدولي. فالزراعة المائية هي زراعة مستدامة وأحد الحلول للتغيرات المناخية.
---------
* خبير في الزراعة المائية