عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 21 تشرين الأول 2025

حين يصبح مكب النفايات محطة للنازحين قسرا

خان يونس- الحياة الجديدة- لميس الأسطل- في ظل خيمة مهترئة ترتجف بجوار كومة نفايات تنسج منها رائحة الموت والمرض، تقف المواطنة الأربعينية معزوزة السلطان لتحمل هَم عائلتها وحدها؛ فزوجها مريض قلب لا يملك سوى نظرات يملؤها الألم، وأطفالها الستة صغار تحاول طمأنتهم بابتسامات شاحبة.

وبين الروائح النتنة والذباب الذي يزحف على أجسادهم، لا يحتفل بالحياة، بل تهان الكرامة في أبشع صورها، لتعيش وسط كابوس لا ينتهي من الأمراض والفقر والخذلان، بين ثنايا واقع أجبرها على النزوح من شمال قطاع غزة إلى جنوبه إجبارا لا اختيارا، تحت نيران الاحتلال وتهديداته وضرباته المميتة، فلم تجد سوى هذه البقعة مأوى لها، بعد أن ضاقت الأرض بما رحبت؛ لتتهادى رائحة العفن في أنفاسهم وتخنق صدورهم رويدا رويدا.

بدموع انهمرت على وجنتيها، تقول السلطان من محافظة بيت لاهيا شمالي قطاع غزة: "على مدار عامين لم نخرج من الشمال رغم شدة القصف الإسرائيلي وهوله، فكنا نتنقل بين المناطق ما بين معسكر جباليا وحي الدرج وتل الهوا وغيرها، حتى وصلنا أخيرا إلى منطقة العمادي غربي مدينة غزة، وفي النهاية خرجنا مجبرين تحت تهديدات جيش الاحتلال بضرورة الخروج واشتداد القصف والنيران العنيفة وبدء الاحتلال العسكري للمدينة ضمن عملية (مركبات جدعون 2)؛ فنزحنا نحو الجنوب دون أن نأخذ شيئا وبلا وجهة محددة".

وتتابع: "عندما نجونا بأرواحنا ووصلنا إلى جنوب قطاع غزة أخيرا، تفاجأت بعدم وجود متسع ومكان نستطيع نصب خيمتنا فيه، وإن تواجد فهو بالإيجار وبأسعار مرتفعة جدا، ووضعي المادي لا يسمح لي بمثل هذه التكلفة، فكل ما ادخرته من مال دفعته أجرة للمواصلات عند نزوحنا، وبالتالي لم يتبق لنا شيئا، ولم أجد سوى هذه المنطقة بجوار مكب النفايات بالقرب من مدينة حمد شمالي محافظة خان يونس، للنزوح فيها ونصب خيمتي المهترئة إلى جوارها".

وتضيف السلطان: "جلسنا في هذه المنطقة الملوثة ونحن غير قادرين على التعايش معها؛ بسبب الرائحة الكريهة وكثرة الذباب والحشرات؛ فأصبنا منذ اليوم الأول بالأمراض وارتفاع درجة الحرارة وعدم القدرة على التنفس، فكان الأمر صعبا جدا خصوصا على زوجي صاحب الـ73 عاما والذي لا تعمل عضلة قلبه إلا بحوالي 30%، وأطفالي الصغار أكبرهم ثماني سنوات وأصغرهم ثلاث، محاولة إيجاد نقطة طبية قريبة لتلقي العلاج اللازم؛ فلم أجد إلا على بعد كيلومترات ووصلت لها بعد ساعة ونصف الساعة مشيا لعدم توفر المواصلات، ولم يكن الدواء متوفرا".

وتستكمل بتنهيدة خرجت من قاع قلبها: "يشعر صغاري بالخوف الشديد من الكلاب الضالة التي تهجم علينا ليلا ونحن نيام، فيستيقظون برعب وخوف، ويهمون بالبكاء المتواصل، فأحتضنهم بدفء وحنان، محاولة طمأنتهم قدر المستطاع، لكن دون جدوى، ليبقوا على حالتهم حتى شروق شمس صباح اليوم التالي".

وتروي: "أعمل على خبز الخبز للمواطنين في المناطق المجاورة عبر فرن (الطينة)؛ لأتقاضى أجرا يوميا لا يتعدى الـ20 شيقلا، أحاول من خلال هذا المبلغ البسيط سد جوع أطفالي وزوجي، ولكنه لا يكفي، وأحاول تدبير المياه لعائلتي لكن دون جدوى، فحتى مياه الاستخدام اليومي ومياه الشرب غير متوفرة في المنطقة، فيذهب صغاري يوميا لجلب المياه من مسافات بعيدة مشيا على الأقدام، وفي كثير من الأحيان يعودون بخفي حنين؛ فأضطر لغسيل الأواني عبر الرمال رغم انها ملوثة وغير نظيفة، وأبقى فترات طويلة أنا وعائلتي دون استحمام".

وتذكر السلطان: "أرهقني التفكير الدائم والمستمر بما سيحصل لي وعائلتي، شاعرة بالوحدة والعزلة والوصمة الاجتماعية، متمنية الموت ولا المذلة، باكية كل ليلة، خصوصا مع ادعاء جيش الاحتلال بوجود عدد كبير من الأماكن وتوسيع (المنطقة الإنسانية) وتوافر الخدمات الصحية والغذائية فيها، ومن جانب آخر فإن فصل الشتاء بأمطاره يطرق الأبواب، وبالتالي سينتقل حالنا من سيئ إلى أسوأ وسيزيد من الطين بلة"، متمنية وقف الحرب على قطاع غزة والعودة إلى ركام بيتها ونصب خيمتها فوقه؛ للعيش بكرامة وعزة وإباء.

وتوجه رسالتها بحرقة: "لا بد من العمل على  نقلنا إلى منطقة صحية، تتوافر فيها أدنى مقومات العيش، لنحيا فيها بكرامة، أو احرصوا على تنظيف هذه البقعة وتدوير النفايات فيها وتغطيتها بالرمال الصحية، فالمعاناة لا تقتصر على عائلتي فقط، بل تتعدى لتصل إلى أكثر من 130 عائلة أخرى كان لهم نفس القدر".