عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 21 تشرين الأول 2025

هدفان وهدفٌ ذاتيّ

تغريدة الصباح- محمد علي طه

-1-

ألغت شرطة إسرائيل مساء الأحد 19 تشرين الأول مباراة كرّة القدم بين فريق هبوعيل تل أبيب وبين فريق مكّابي تل أبيب الّتي كانت ستجري على ملعب بلومفيلد- ملعب شباب يافا قبل النّكبة. بسبب "أعمال شغب والقاء أجسام ثقيلة وقنابل دخانيّة وألعاب ناريّة أصابت عددًا من أفراد الشّرطة وعشرات المؤيّدين الّذين نُقلوا الى المشافي لتلّقي العلاج، فهل بحث اعلاميٌّ اسرائيليّ عن السّبب الحقيقيّ لما حدث؟

فريقا كرة قدم عريقان ولهما جماهير واسعة من مدينة تل أبيب، وقد فازا ببطولة الدّوري مرّات عديدة، ويلعبان أحيانًا في مباريات دوليّة في أوروبا، وأمّا هؤلاء الشّبّان والشّابات الّذين ملأوا مدارج الملعب الدّوليّ فمعظمهم من الجيل الّذي شارك في الحرب الأخيرة في قطاع غزّة وارتكب المجازر وقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيّين وطرد مئات الآلاف من بيوتهم ودمرّ مدنًا ونسف أبراجًا وسحق قرىً كاملة ومزارع وأشجارًا، وهم أيضًا الجيل الّذي هدم عدد من أفراده مخيّم جنين ومخيّم نور شمس ومخيّم طولكرم، ومن الجيل الّذي دعم عددٌ من أفراده غلاة المستوطنين من الضّفة الغربيّة الّذين اعتدوا على سكّان القرى وعلى بيوتهم وعلى أملاكهم وعلى زيتونهم وقتلوا وجرحوا العشرات وشردّوا النّاس من بيوتهم.

هؤلاء الشّبان وهؤلاء الشّابّات من جيل الحرب ومن جيل الاحتلال وما زرعته حكومة إسرائيل في المناطق الفلسطينيّة المحتلّة في قطاع غزّة وفي الضّفة الغربيّة لا بدّ من أن يأتي ثمره أيضًا في المجتمع الاسرائيليّ.

-2-

رونين برغمان صحافيّ اسرائيليّ بارز من مواليد العام 1972 ومتخصّص بقضايا الأمن القوميّ وحائز على جوائز عديدة مثل جائزة سكولوف "2017" ويحمل شهادة الحقوق كما يحمل شهادة دكتوراة من جامعة كامبريدج وينشر مقالاته وتحقيقاته في ملحق "يديعوت أحرونوت" الأسبوعيّ منذ العام 2000 وهو كاتبٌ خبير في قضايا المخابرات والأمن والإرهاب والشّرق الأوسط.

نشر يوم الجمعة الماضي 17 تشرين الأوّل 2025 مقالًا خطيرًا في مُلحق صحيفة "يديعوت أحرونوت" بعنوان "عشر كذبات في أثناء الحرب الأخيرة" – روّجها رئيس الحكومة الاسرائيليّة والاعلام الاسرائيليّ وهي قائمة جزئيّة من كذبات الحرب.

يرى برغمان أنّ الكذبة الأولى كانت اعلان نتنياهو بأنّ هدف الحرب هو القضاء على حركة حماس وتحرير المخطوفين لأنّ هذين الأمرين لا يُمكن أن يُنجزا معًا.

لن أقتبس لكم جميع هذه الكذبات وأعتقد أنّكم تعرفونها معرفةً جيّدة ولكنّني أسمح لنفسي أن أقتبس ما جاء في الفقرة الأخيرة: "في هذا الأسبوع بعد أن صمتت القذائف حاولت إسرائيل أن تقدّم للشّعب أنّ الاتّفاق نصرٌ لها وحاولت حماس كذلك. فمن الّذي انتصر؟"

يرى رونين برغمان اعتمادًا على مصدر مخابرات كبير أنّ إسرائيل تنازلت عن سبعين بالمئة من طلباتها وأنّ حماس تنازلت عن الباقي حينما اتّفق الطرفان على وقف إطلاق النّار.

لا أدري.

ربّما...ربّما.

سمعتُ المرحوم والدي يقول في أكثر من مرّة "أعوذ بالله من قلبان الرّأس أو قلب الرّأس" وكنتُ أظنّ أنّ الشّخص الّذي يحدث له ذلك سببه الأميّة أو الجهل ولكن ما حدث لي هذا الأسبوع قلب فكري رأسًا عن عقب، فبعدما قدّمتُ واجب العزاء لصديقٍ بوفاة والدته في احدى المدن القريبة قدتُ سيّارتي في ذلك المساء قاصدًا قريتي وبيتي وما أن قطعت مسافة قصيرة من الطّريق حتّى شعرتُ أنّني فقدتُ مقدرتي بالتّعرف على الجهات، فما عدتُ أعرف الشّرق من الغرب ولا اليسار من اليمين وأدركتُ انّني ضللت الطريق ففرملتُ ووقفت على يمين الشّارع، وأبيتُ أن أتّصل بأحد أولادي أو أحد أحفادي كي ينقذني من ورطتي مخافةً أن يسخروا منّي ويحيلوني الى التّقاعد وعدم قيادة السّيّارة.

أخذتُ أؤشّر للسائقين لعلّ أحدهم يقف ويساعدني، فمرّ سائقون عديدون شبّانًا وشابات ولم يقف أحدٌ منهم الى أن وقف سائق ابن حلال في الأربعينات من عمره وبجواره سيّدة، قد تكون زوجته، فطلبتُ منه أن يرشدني الى الطّريق الى قريتي فتأملني وأدرك أنّ رأسي مقلوب وأنّني فقدت مقدرتي بالتّعرّف على الجهات فقال لي بأريحيّة "اتبعني" وقاد سيّارته وسار وسرت وراءه مسافة ليست قصيرة حتّى أوصلني الى طريق الأمان.

وكانت السّيّدة تنظر اليّ وتبتسم ربّما شفقةً على شيخوختي وربّما ستجلس في الغداة مع صديقاتها وتحدّثهنّ عن الشّيخ الضّائع.  وأمّا أنا فكنتُ أفكّر في عائلتي وقلقها عليّ وضياعي وضلالي في هذا اللّيل البهيم. وحينما وصلتُ الى البيت قالت لي زوجتي: لقد تأخرتَ. الحمدلله على سلامتك. فقلت لها: لن أقود السّيّارة بعد اليوم ليلًا.

سألتني: خير، من غير شرّ؟

قلتُ: كي لا تشاهدي صورتي في بعض المواقع وبعض الصحف تحت عنوان أسود "خرج ولمّا يعد".