نوبل.. وأجراسها!
تغريدة الصباح- حسن حميد

كنت، ومنذ طفولتي، أعشق التعزيز، وأفرح بالتربيت على كتفي، ويضج صدري بالمسرة حين أحظى بالثناء، وقد تمنيت، وبعد أن عرفت طبيعة الطفولة وأسرارها، أن أعيش حياتي كلها حياة طفولة، وفحواها النجاح، والثناء، والمسرات.
قلت هذا، وأنا طي خضم الحديث عن جائزة نوبل التي غدت حدثاً عالمياً، يتداول الناس الحديث حولها حين تعلن نتائجها، وقد اشتملت على الكثير من اتجاهات الإبداع العالمي، وكل أهل اتجاه يتساءلون: من فاز، ومن تخطته الجائزة، ولماذا، حتى أصبح الحديث حول الجائزة غابة كلام فيها ما هو طيب، وما هو غير ذلك. ولأن الموضوع طويل، وعمره مديد، ومضايفاته كثيرة جداً، أود الوقوف عند ما يثيره الكلام الذي يتداوله المثقفون والمبدعون عند المرشحين العرب، وبعض الكلام أسئلة واستفسارات، وبعضه الآخر لا يخلو من الشرح والتأويل وتتبع سير المبدعين، وبعضها الثالث لا يخلو من الغلو والانفعال والقذف والقسوة ونقل الكلام من دون فطنة، وتبنيه من دون تحوط أو حذر أو التأكد من ما فيه من الباطل الفاسد من جهة، والحق الجميل النداه من جهة أخرى، أعني تخليص القول من الغايات والرميات ذات الأنفاس الحامضية.
جل الحديث، ومنذ عقدين من الزمان وأزيد، أي منذ أن فاز نجيب محفوظ بالجائزة عام 1988، يدور حول من سيردفه في النجاح والحظوة من أدباء العرب، وكان في طليعة الأسماء الشاعر (أدونيس) الأكثر معروفية وشهرة في أوروبا، بعد أن ترجمت كتبه ونشرت في دور نشر مهمة ذات سمعة طيبة في فرنسا وبعض البلدان الأوروبية، بل كان الأكثر حضوراً في الصحافة الأوروبية لأن ما يقوله ويصرح به يثير الشهية والردود ليتشاجر الحوار مثل أغصان الشجر.
كل سنة نقرأ في الأخبار المتداولة أن (أدونيس) اسم من بين الأسماء المرشحة لنيل الجائزة، وتزهو معاني اللغة، والجغرافية، والتاريخ الأدبي داخل نفوسنا، بأن أديباً عربياً ينافس مشاهير العالم لحيازة جائزة نوبل، والحق أن ترشيح الأدباء والمبدعين لجائزة نوبل تدور في حلقات، وتنتقل من حلقة إلى حلقة، فهي ترشيحات عامة، لأدباء ومبدعين كثرة، ثم تضيق حلقة الأسماء لتصير مختصرة، ثم لتصير الحلقة أكثر اختصاراً، والتي لا يتجاوز عديدها أحياناً خمسة أسماء، وقد تم التأكد، بعد مراجعة القوائم الماضية أن اسم (ادونيس) لم يصل، ولو لمرة واحدة، إلى القائمة الأكثر اختصاراً، لكن اسمه ظلّ متداولاً في قوائم الأسماء الكثيرة ، وفي القوائم الأقل كثرة.
هذه حقيقة لا بد من الانتباه إليها، من دون أن نمحو رضانا بأن أحد كتاب الأدب العربي حظي بالحضور داخل قوائم الأسماء الكبيرة والمختصرة، لأن هذا الحضور مهم جداً، وباعث على الرضا.
وحقيقة أخرى هي أن مسوغات فوز الكاتب وانتقاله من حلقة ورتبة إلى حلقة ورتبة أعلى لا تستند إلى جماليات كتابته فقط، ولا لتأثيره في قراء اللغة التي يكتب بها فقط، بل يستند إلى مواقفه، وقدرته على الاشتقاق والاختلاف، وتبني ما هو عالمي/ إنساني، والتخلص من آثار المواطنة القومية، والأبعاد السياسية والدينية التي تجعل كتاباته ومواقفه محصورة بها، لهذا رأينا أن الجائزة منحت، وعلى نحو مستعجل، لعدد من الكتاب الروس الذين خالفوا في آرائهم ومواقفهم النظام الاشتراكي أمثال: إيفان بونين، وسولنجستين، وباسترناك، ولعدد من الكتاب الذين أيدوا اتجاهات فكرية عنصرية (الصهيونية) أمثال (يوسف بن عجنون)، بل إن أوهاماً كثيرة غررت بأدباء كبار فجعلتهم يغيرون أفكارهم فيتخذون مواقف غريبة، لا تتناسب وأفكارهم التي عاشوها، وعاشوا من أجلها، ومن هؤلاء (أدونيس) حين شارك في صياغة بيان غرناطة في مستهل عقد التسعينيات من القرن العشرين المنصرم، والذي قيل فيه توكيداً أن (إسرائيل) هي جزء طبيعي من نسيج المنطقة الجغرافية والثقافية، وهذا رأي لم يؤمن به (أدونيس) طوال حياته، وهو يتنقل من بلد عربي إلى آخر، ومن حزب سياسي إلى آخر، لا بل المعروف عنه أنه كان من المؤيدين لنضال الشعب الفلسطيني والعاملين في المؤسسات الفلسطينية، والفاعلين في الأنشطة التي أقامتها، ولعل مقالته الافتتاحية للعدد الأول من مجلة (المواقف) والحديث عن عملية ميونخ تشير وتؤكد هذا بشكل لا يحتمل التأويل أو اللبس، ومن هؤلاء الكتاب أيضاً الكاتب السوفييتي (جنكيز أيتماتوف) الذي زار الكيان الإسرائيلي عام 1988 في وقت انتفاضة الشعب الفلسطيني، وكانت زيارة طلب (الرضا) و(المباركة) لترشيحه لجائزة نوبل، أي في وقت تكسير أذرعة أطفال الحجارة الفلسطينيين، وقطع أصابعهم، ولم يسأل نفسه إطلاقاً: كيف لهؤلاء الأطفال أن يكتبوا جملة: بلادي، بلادي، بعد أن كسرت أذرعهم، وقطعت أصابعهم، وهو صاحب المشاعر الجمة في روايتيه (وداعاً يا غولساري)، و(جميلة).
بلى، لقد تتبع مانجو ( نوبل) مسارات مواقف (أدونيس) تجاه كل حدث، ووضعوا تقييمهم الذي كانت حصيلته عدم أهليته للاستحواذ على جائزة نوبل، وقالوا توصيفا: إنه متقلب، ولا أصالة له في مواقفه تجاه الحضارة الأوروبية، مثلما تتبعوا مسارات ومواقف أفذاذ العرب في الأدب والفكر (جبرا إبراهيم جبرا، وإدوارد سعيد، ومحمود درويش، ويوسف إدريس) فحيدوهم!
أجل، إن الحالة العاطفية، أخذتنا طوال عقدين من الزمن، لتداول الحديث حول (أدونيس) وشاعريته، وفكره، وتأثيره ، ومواقفه، أي منذ أن علمنا بأنه يقف أمام باب نوبل ويقرع، ولم يتبق أمامه سوى أن يفتح له، والعاطفة هنا مهمة مثل أهمية الماء المغلي الذي يراد به أن يقلي البيض، أو مثل جرس ما زال مثبتا على برج مهجور، يحركه الهواء فيقرع، ولكن قرعه لا يصير نداءً!
مواضيع ذات صلة
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!
المستوطنة المجاورة: جيرة قسرية