الإعلام الجديد وسردية الميدان.. مواجهة "دبلوماسية المؤثرين" الإسرائيلية
مريم شومان

تخوض فلسطين اليوم معركة جديدة لا تقلّ ضراوة عن الميدان العسكري؛ إنها معركة الرواية والوعي في فضاء الإعلام الرقمي، حيث تتقاطع الحقيقة مع التضليل، وتتجلى أهمية إعادة إنتاج السردية الفلسطينية في زمن يتشكل في الرأي العام العالمي بنقرة واحدة.
منذ النكبة، حرصت منظومة الاحتلال على تسويق نفسها كضحية أبدية، مستغلة "الهولوكوست" لتبرير مشروعها الاستعماري وإخفاء جرائمها بحق الشعب الفلسطيني، وعلى مدار عقود؛ نجحت في ترسيخ سردية زائفة حصدت تعاطفًا واسعًا في الغرب حتى أصبحت مرجعا أخلاقيا زائفا تُبنى عليه المواقف والسياسات الدولية.
غير أن حرب الإبادة على قطاع غزة شكّلت نقطة تحول تاريخية في الصراع السردية، فقد انهار جزء كبير من الهيمنة الدعائية الإسرائيلية أمام مشاهد الحقيقة القادمة من الميدان، حيث الكاميرا الفلسطينية تحولت إلى سلاح مقاومة بصري، يوثق ويفضح ويكسر جدار الصمت العالمي، ومع انتشار منصات التواصل الاجتماعي برز جيل جديد من المؤثرين والصحفيين والنشطاء الذين نقلوا الواقع بلا وسطاء، فشكّلوا جبهة رقمية فاعلة في مواجهة آلة التضليل الإسرائيلية.
في موازاة ذلك؛ تسعى دولة الاحتلال إلى استعادة السيطرة على الفضاء الرقمي عبر ما يمكن تسميته "دبلوماسية المؤثرين"، إذ كشفت تقارير إعلامية مؤخرا عن قيام وزارة الخارجية الإسرائيلية بدفع مبالغ تصل إلى 7000 دولار لكل منشور مؤيد لـ "إسرائيل" ينشره مؤثرون أميركيون يملكون ملايين المتابعين، وهي محاولة لشراء الرواية وشراء الوعي في آن واحد، في وقت تتراجع فيه مصداقيتها أمام صور الدمار والضحايا في غزة.
بات الإعلام الجديد اليوم أحد أبرز أدوات القوة الناعمة الفلسطينية، بما يمتلكه من قدرة على إعادة بناء الصورة وتشكيل الرأي العام ونقل السردية الفلسطينية بصوتها الإنساني الأصيل إلى العالم، ولم تعد السردية الفلسطينية مجرّد خطاب مظلومية، بل تحولت إلى سردية كونية للعدالة والحرية تواجه رواية الاحتلال التي كُشف زيفها أمام حقيقة الدم والدمار والإبادة.
إنّ معركة السرد هي امتداد لمعركة الوجود، والإعلام الجديد هو خندق المقاومة الأخلاقي الذي يعيد التوازن للوعي العالمي، فكل منشور، وكل صورة، وكل شهادة من غزة، تُسهم في إعادة التوازن إلى الخطاب العالمي، وتؤكد أن السردية الفلسطينية قادرة بصدقها وعدالتها على انتزاع مكانتها الطبيعية في وجدان العالم، وتُسهم في بناء جدار الحقيقة الذي ستتحطم عليه دبلوماسية التضليل مهما امتلكت من أموال أو نفوذ، وبهذا تثبت القضية الفلسطينية أن الحق لا يحتاج إلى إعلان ممول، بل إلى صوت صادق وشعب لا يُهزم في معركة الوعي.
مواضيع ذات صلة
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!
المستوطنة المجاورة: جيرة قسرية