عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 02 تشرين الأول 2025

كسر المجتمع من أضعف حلقاته.. النساء والأطفال في سجون الاحتلال

لمى عواد

في فلسطين المحتلة، يتخفى الاحتلال وراء عدالة زائفة، يحوّل القانون إلى أداة لإدامة السيطرة، ويجعل من السجن وسيلة لقمع مجتمع بأكمله. وفي قلب هذا المشهد، يبرز الأطفال والنساء كأكثر الفئات استهدافا حيث يُحوَّل ضعفهم إلى سلاح يضرب به الاحتلال قلب المجتمع الفلسطيني مباشرة.

 ليس الأمر مجرد اعتقالات باردة تُدار بلغة القانون، بل سياسة واعية تهدف إلى تحطيم البراءة والأمومة، وترك جروح لا تندمل في الذاكرة الجماعية.

 

ما وراء الأرقام.. أسرى الرأي

حسب بيان لهيئة شؤون الأسرى ونادي الأسير الفلسطيني ومؤسسة الضمير لحقوق الإنسان حتى مطلع سبتمبر/ أيلول 2025، يقبع أكثر من 11,100 أسير/ة فلسطيني في سجون الاحتلال، بينهم نحو 400 طفل دون الثامنة عشرة، و49 أسيرة بينهن أمهات وقاصرات وطالبات جامعيات. وعدد المعتقلين الإداريين (دون تهمة معلومة) من بين الأسرى حوالي 3,577 من إجمالي الأسرى. وخلف هذه الأرقام وجوه وقصص، طفل لم يعش طفولته، فقد مدرسته؛ طالبة توقفت حياتها الأكاديمية؛ أمومة مبتورة لامرأة تنتظر عند أبواب السجون؛ أب غاب عن عائلته لسنوات؛ وأحلام صغيرة تحولت إلى كوابيس.

النظام القضائي العسكري الإسرائيلي ليس سوى وجه آخر للاحتلال، يختبئ وراء لغة القانون لكنه يسعى إلى السيطرة والقمع الجماعي. وحين يستهدف النساء والأطفال، فإنه يضرب قلب المجتمع الفلسطيني مباشرة.

"في فلسطين، قد يُولد الطفل وفي انتظاره زنزانة، وقد تُحمل الأم إلى السجن وهي لا تزال تحتضن رضيعها."

رواية هذه القصص مسؤولية جماعية، أن نعيد للضحايا أسماءهم وملامحهم، وأن نؤكد أن خلف القضبان لا يقبع "معتقل" مجهول، بل إنسان حي يصرخ بصمته في وجه ظلم يتجاهله العالم.

 

الطفولة خلف القضبان

تصوّر أن توقظك دقات عنيفة على الباب في منتصف الليل، يدخل الجنود المدججون، يقتادون طفلك بعينين مغمضتين وقيد بلا رحمة. هذا المشهد يتكرر مئات المرات كل عام.

الطفل الفلسطيني لا يُعامل كقاصر في غرف التحقيق، بل يُترك وحيداً بلا أم ولا محامٍ، يواجه أسئلة قاسية وأصوات تهديد. كثيرون يوقّعون على أوراق لا يعرفون مضمونها، فقط لينتهوا من الكابوس. ثم تأتي المحاكمة، حيث يجلس قضاة عسكريون يحاكمون طفلاً كما لو كان رجلا بالغا.

لكن العقوبة الأشد ليست سنوات السجن أو الغرامة التي تنهك العائلة، بل ما يظل عالقا في داخله من خوف دائم من الليل، فقدان الثقة بالعالم، شعور بأن الطفولة سُرقت إلى الأبد، وذاكرة سترافقه طويلا. صدمة تمتد إلى الحياة كلها، تعليم مقطوع، مستقبل غامض، وجراح نفسية لا تلتئم.

 

الأسيرات الفلسطينيات

وراء القضبان نساء كثيرات، طالبات، أمهات، ناشطات، يُسحبن من بيوتهن بنفس الأسلوب العنيف، تفتيش مهين، إهانة متعمدة، وقيود على الأيدي. وداخل السجن، يعشن في ظروف صحية ونفسية خانقة، إهمال طبي متعمد، عزل، وحرمان من أبسط الحقوق.

أما الأمهات فلهن معاناة مضاعفة، بعضهن يُحرمن من أطفالهن كلياً، وبعضهن يربين رضيعاً في زنزانة لا تصلح للحياة، وبعضهن يُحرمْن حتى من العلاج الطبي في لحظات الولادة أو المرض. الأمومة هنا تتحول إلى جرح يومي، والأسيرة لا تُعاقب وحدها، بل يُعاقب جسدها وهويتها وأمومتها.

 

أثر يتجاوز الجدران

حين يُعتقل طفل، لا يُعاقب وحده، بل تُسجن أسرته كلها معه بالقلق والخوف والانتظار. وحين تُعتقل امرأة، يغيب البيت وتتفكك العائلة. لهذا يركز الاحتلال على النساء والأطفال تحديدا، ليزرع الخوف في كل بيت، وليقول إن لا أحد في مأمن، حتى الطفل في سريره أو المرأة في بيتها.

 

حين يصبح الضعف هدفا

التركيز على اعتقال النساء والأطفال ليس عشوائياً. الاحتلال يدرك أن ضرب هذه الفئات يترك جرحاً غائراً في النسيج الاجتماعي. الطفل الذي يُعتقل يفقد ثقته بالعالم ويكبر محملاً بذاكرة الخوف. الأم التي تُسجن أو تُحرم من ابنها تترك عائلتها في فراغ مضاعف. والمجتمع كله يُصاب بالشلل حين يوقن أن لا أحد محصن من الاعتقال.

 

استعادة الوجوه

وراء كل رقم في تقارير الأسرى حياة معلّقة: طفل لم يكمل دراسته، امرأة تنتظر حضن أبنائها، أمومة مبتورة، وأحلام صغيرة محشورة في زنزانة ضيقة.

السجن هنا ليس جدرانا وحديدا، بل شبكة متكاملة لكسر الروح الجماعية. وواجبنا أن نعيد للأرقام أسماءها، أن نروي الوجوه كما هي. لعل الحكاية، حين تُروى كاملة، تكون أول الطريق لكسر الصمت الدولي الذي يتغافل عن حقيقة أن أبسط حقوق الإنسان تُنتهك كل يوم خلف القضبان.

 

نداء من خلف الجدران

اعتقال الأطفال والنساء الفلسطينيين وصمة على جبين الإنسانية، لا يمكن للعالم أن يتغاضى عن محاكمات عسكرية تُدار ضد قُصّر، أو عن أمهات يُحرمن من رضّعهن خلف القضبان. الصمت هنا ليس حياداً، بل تواطؤ يشرعن استمرار الجريمة.

 والمطلوب اليوم موقف حاسم من المجتمع الدولي، ومنظمات حقوق الإنسان، والمؤسسات الأممية الضغط من أجل حماية القاصرين، وتوفير رقابة دولية على ظروف الاعتقال، ومحاسبة إسرائيل على انتهاكاتها الصارخة للقانون الدولي الإنساني واتفاقية حقوق الطفل واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

فالطفل الفلسطيني يستحق أن ينام في سريره لا في زنزانة، والمرأة الفلسطينية تستحق أن تعيش حريتها كاملة لا أن تُحاصر خلف قضبان.  كسر جدار الصمت هو أول الطريق لكسر جدران السجون.