عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 02 تشرين الأول 2025

المخاوف والمخاطر والتحديات قي خطة ترامب

باسم برهوم

في القضايا والصراعات المعقدة، ولها تاريخ طويل، وفيها أطراف كثيرة متدخلة، وصراع متداخل مع صراعات أخرى، تكون في الغالب صيغ حلولها غامضة وتقبل كل الاحتمالات، ويكون الطرف الأقوى في العادة هو من يستفيد من الغموض ويفسره لما فيه مصلحته.

كما يعكس الغموض ميزان القوى، ففي العادة يملي الأقوى صيغة الاتفاقيات، وعندما يجعلها غامضة، إنما المقصود جعل الطرف الأضعف يختبئ هو الآخر خلف هذا الغموض، ويفسره بمنطق يغطي به هزيمته. فالغموض شيء معمول به بالسياسة وبدرجات حسب الظرف وطبيعة القضية وأطرافها.

إذا أردنا التعامل مع خطة الرئيس ترمب بحسن نية، ومن منطلق معرفة مسبقة وعميقة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي وتفرعاته وتراكماته، فإن الغموض في الخطة يمكن فهمه وتبريره، فالوضوح يكون عندما تصل الحلول إلى لحظات يكون فيها الحديث عن التفاصيل أو الرتوش الأخيرة للتسوية النهائية، التي باتت جميع الأطراف مقتنعة تقريبا بها. فالخطة من هذه الزاوية إنما تحاكي الواقع المعقد، وتحاكي مصالح أطراف عديدة، تمتد في القارات الخمس، والمقصود بالغموض هنا أن يدخل الجميع لحلقات التفاوض والعمل بالتدريج لتوضيح الغموض.

كنا نتحدث طوال الوقت عن الغموض الذي كان يكتنف بعض جوانب وبنود اتفاقيات أوسلو. على سبيل المثال، ومن كان يريد توجيه النقد، أو التقليل من أهمية تلك الاتفاقيات كان يبالغ بمدى ما فيها من غموض،  ولكن بالمقارنة مع خطة الرئيس ترمب لوقف حرب غزة فإن هذه الأخيرة أكثر غموضا بما لا يقاس، فهي أقرب لحالة استسلام منها إلى حل خاصة بالنسبة لحماس، ولكن القيادة الفلسطينية الشرعية، وبالرغم من حجم الغموض، رأت أن فيها فرصة لوقف الحرب، حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وألا تتحول الأمور إلى نكبة فلسطينية شاملة، يتم من خلالها تصفية القضية الفلسطينية تماما.

بالنسبة للقيادة الفلسطينية كان الهدف وقف التدهور الذي يمكن أن يقود لكارثة كبرى، ومن ثم يمكن التعامل مع الغموض في كل مرحلة بمرحلتها.

المخاوف لا حصر لها في الخطة، فليس فيها أي ضمانة أن تتوقف الحرب تماما، أو أن تنسحب إسرائيل بالكامل من غزة، أو تضمن وحدة قطاع غزة مع الضفة.

والمخاوف لها علاقة بالثقة، ثقة الأطراف بعضها ببعض، وبالتحديد من نوايا الحكومة الإسرائيلية المتطرفة، والمخاوف من هذه الحكومة لا تنبع من توقعات أو تحليل، وإنما من مواقف حكومة نتنياهو المعلنة، وتصريحات وزراء مثل سموتريتش وبن غفير وغيرهما، الذين رفضوا عمليا الخطة ودعوا علنا إلى مواصلة الحرب حتى تحقيق الأهداف الأكثر تطرفا.

والمخاطر تنبع من أن يقود الغموض إلى احتلال قطاع غزة بطرق مختلفة، وأن يتم فصله عمليا عن الضفة، عبر خلق واقعين متناقضين تماما، غزة تتطور باتجاه أن تصبح منطقة استثمار عالمية، والضفة تترك للاستيطان الإسرائيلي، وتبقى تعيش حالة جمود اقتصادي وسياسي يقود في النهاية إلى ضم غير معلن، وفي المحصلة يتم تصفية القضية الفلسطينية بطريقة ناعمة.

وما يحتاح التوضيح من وجهة نظري، هو ألا نقف أبدا ضد تنمية قطاع غزة، أو تشحيع دخول الاستثمارات إليه، ولكن ألا يستغل ذلك لخلق الوقائع المشار إليها، لذلك لا بد من أن تشهد الضفة التطور ذاته، وأن يتم التمسك بوحدة أقاليم الدولة الفلسطينية، وألا تتحول عملية إصلاح السلطة الوطنية الفلسطينية إلى عملية تغيير محتواها الوطني، الذي لا يتناقض مع السلام والتعايش بين فلسطين وإسرائيل.

أما بخصوص ما يتعلق بالتحديات فهي كثيرة وهائلة، تحتاج إلى ذكاء وفطنة، وإلى مرونة مدروسة، ذكية بدورها، وتحتاج إلى المحافظة على وحدة الموقف الفلسطيني، على تحالف عربي دولي معنا هدفه ألا يتم التحايل على حل الدولتين، وأن نعرف أن نقول لا دون أن تدخلنا هذه اللا بالعزلة أو خسارة الحلفاء، ومتى نقول نعم واضحة. أو نعم تتضمن غموضا مقصودا. كل ذلك لكي نبقى في دائرة القرار المتعلق بنا، وألا نترك هذا القرار لغيرنا، ويسحب البساط من تحت أقدامنا. باختصار ألا نرتكب أي خطأ  يمكن أن يقدم مبررا للقفز عنا أو خلق بديل على شاكلة روابط القرى بصيغ جديدة تلائم المخططات الجديدة.

التحدي هو ألا نجعل الغموض يحبطنا أو أن ندعه يعمل ضد مصالحنا بالكامل، وألا يصيبنا اليأس والملل من التعامل مع هذا الغموص، والأهم من ذلك أن نأقلم أنفسنا مع المتغيرات قبل أن يستغل عدم التأقلم لوضع شروط جديدة، أو أن يتم اتهامنا بأننا جزء من الماضي.

ومن دون أن نهمل وجود حماس، فإن علينا أن نجد طريقة نمنع من أن تستغل مواقفها وتصرفاتها مرة أخرى لاستكمال تصفية القضية الفلسطينية، قد يكون من الضروري أن نبحث عن طريقة نقنع خلالها حماس أن تترك الساحة تماما لسنة أو سنتين، ولاحقا وعندما تنجلي الأمور أكثر يمكن البحث بالشكل الذي تعود فيه حماس للعمل.

وفي النهاية، فإن علينا ألا نلعن الغموض بل أن نجد طريقة لمواجهته وتحويله لما يحمي ويشرع حقوقنا الوطنية.