تركيب المشهد والتجاوب الذكي للقيادة الفلسطينية
باسم برهوم

الآن بات من الممكن ربط الأحداث وتركيبها ببعضها بطريقة اكثر إحكاما، أو بلغة أخرى تجميع قطع بزل التطورات الأخيرة لتصبح الصورة أكثر وضوحا، ضرورة ربط المبادرة السعودية الفرنسية لحماية حل الدولتين، مع سلسلة الاعترافات الأخيرة بالدولة الفلسطينية، وبيان الجمعية العامة، والربط مع خطاب الرئيس محمود عباس الأول خلال انعقاد مؤتمر حل الدولتين في مقر الأمم المتحدة، وخطابه الثاني في الجمعية العامة، والخطابان تميزا بأنهما نزعا كل الذرائع وتضمنا الرسائل ذاتها، التزاما بالإصلاح، تغيير مناهح التعليم، والدولة منزوعة السلاح، ومن ثم اجتماع الرئيس الأميركي ترمب مع عدد من قادة الدول العربية والإسلامية، والحديث الذي تناول للمرة الأولى خطة جدية لوقف الحرب على غزة، وصولا إلى إعلان نتنياهو ليلة أمس الأول أنه وافق على هذه الخطة، وكشف الرئيس ترمب عن عدد من بنودها.
وما يؤكد اكتمال دائرة التحركات هو البيان الذي أصدرته دولة فلسطين (القيادة الفلسطينية الشرعية) والذي رحب بحرارة بخطة الرئيس الأميركي ومنحه الثقة لإكمال مبادرته لوقف الحرب والسلام بالشرق الأوسط، مع الإعلان عن التزام واضح باستكمال الإصلاحات.
هذا المقال لا يناقش أو يحلل خطة الرئيس ترمب ولا يتناول فرص النجاح أو الفشل، ولا العوامل والأسباب المؤدية لكل منها، وإنما يتناول تصرف القيادة الفلسطينية الذي لا يمكن وصفه إلا بالذكي والعقلاني وهدفه حماية القضية الفلسطينية ومنع تصفيتها بأي شكل وأي وسيلة.
وفي هذا السياق لا بد أن نخص الحراك الذكي للرئيس محمود عباس في الأسابيع الأخيرة، ومنذ السابع من أكتوبر 2023، وقبل ذلك بكثير.
ولكن حديثنا اليوم عن حراكه ومواقفه في الأشهر الاخيرة. وأي مراقب يمكن أن يجري مراجعة موضوعية للتاريخ منذ أن بدأ المشروع الصهيوني ينفذ في فلسطين، يجد أن القيادات الفلسطينية تاريخيا وغالبا كانت تفتقر كل الوقت لفهم الواقع والتصرف بما يقلل من خسائر الشعب الفلسطيني المادية والسياسية، واتباع سياسة خذ وطالب، على سبيل المثال، لو وافقت القيادات الفلسطينية عام 1947 على قرار التقسيم بالتعاون الوثيق مع الدول العربية، لكان بالإمكان أقلها التخفيف من وطأة النكبة وجعلها أقل كارثية على الشعب الفلسطيني، أو لكان بالإمكان صون بعض الحقوق للشعب الفلسطيني وتم منع تفكيك فلسطين بالكامل وشطبها عن خريطة الشرق الأوسط.
ولفهم موقف وسلوك القيادة الفلسطينية الذكي والمتلائم مع الواقع والظروف الصعبة للشعب الفلسطيني، فإن علينا أن نتذكر أننا فقط قبل أسابيع قليلة كنا نتحدث عن خطر تصفية القضية الفلسطينية بالكامل، نتحدث عن التهجير والضم، وكان الأفق السياسي في غاية القتامة والسواد.
صحيح أن لا ثقة لدينا بأننا قد تجاوزنا كل أشكال الخطر المشار إليه، ولكن على الأقل تراجعت فكرة التهجير، وتراجع الضم، والأهم هنا أن نوقف حرب الإبادة البشعة والتي كان استمرارها سيمثل نكبة شاملة وكارثة قد تودي بكل ما حققه الشعب الفلسطيني من مكاسب بعد تضحيات جسيمة جدا.
واللافت، وهو أمر يحصل للمرة الأولى، أو نادرا ما كان يحصل، وهو درجة التنسيق القوية بين القيادة الفلسطينية وعدد من الدول العربية، خصوصا السعودية ومصر والأردن، ومع عدد من الدول الأوروبية في طليعتها فرنسا وبريطانيا وأسبانيا وغيرها، كما حافظت القيادة على قناة مفتوحة مع الإدارة الأميركية، بالرغم من كل المصاعب والعقبات.
لقد كان الهم الأول للقيادة وله الأولوية هو وقف الحرب كخطوة اولى، لأن استمرار الحرب يبقي الباب مفتوحا أمام التهجير القسري، وكنا نلاحظ أننا على بعد خطوة واحدة من أن تقوم إسرائيل بضم الضفة، أو أقلها أن تنهي وبشكل كامل حل الدولتين.
أما المسألة الأخرى التي سعت إليها القيادة الفلسطينية هي المحافظة على الوجود الفلسطيني على الأرض، والحفاظ على المكتسبات، ووحدة إقليم الدولة الفلسطينية، وأن تبقى القضية الفلسطينية قائمة وضمن دائرة الضوء والاهتمام، حتى لو صاحب هذه الخطة كل هذا الغموض الشديد بخصوص المستقبل.
إن ما تم، ونصفه بالذكاء، ما هو إلا خطوة لإفشال خطر التصفية التامة، فالمسألة بحاجة إلى مرحلة جديدة من النضال وأساليب نضالية مختلفة، ربما نحن أمام مرحلة هي الأصعب والأدق والتي تحتاج أن نواصل التصرف الذكي ونقوم بدراسة كل ردة فعل لنا بعمق كبير فلا مجال أن نرتكب أي خطأ، أو ان ألا نفي بالتزاماتنا بخصوص الإصلاحات التي كانت شرط الاعترافات، أو حتى لضمان وحدة غزة والضفة.
قد نكون قد خرجنا من عنق الزجاجة، ولكن لا نزال في مكان صعب ومعقد، يحتاج أن تكون خلاله القيادة الفلسطينية صارمة بما يتعلق بثلاثية: سلاح واحد.. وسلطة واحدة.. وقانون واحد، وأن تضع الشعب الفلسطيني على طريق التأقلم مع متطلبات الدولية، والتي هي بالأساس مطالب الغالبية الكبرى من الشعب الفلسطيني.
مواضيع ذات صلة
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!
المستوطنة المجاورة: جيرة قسرية