خطاب الكراسي الخالية
تغريدة الصباح - محمد علي طه

غامرت بأعصابي وجلست طيلة إحدى وأربعين دقيقة أمام التلفزيون، وأنا أشاهد وأصغي الى خطاب "الكراسي الخالية" أو "خطاب الحزازير" كما سماه بعض الإعلاميين الاسرائيليين المعروفين، فتذكرت مسرحية "الكراسي" للأديب الفرنسي الروماني الأصل أوجين يونسكو (1912-1994) أحد أعلام مدرسة اللامعقول الأدبية، ثم تذكرت زميله الأديب الفرنسي الإيرلندي صموئيل بيكيت ومسرحيته "في انتظار غودو".
لم تكن كراسي قاعة الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة خالية فحسب من ممثلي دول العالم بعد أن غادرها (77) وفدا احتجاجا على مجازر إسرائيل اليومية في قطاع غزة وعملية الإبادة للشعب الفلسطيني التي يمارسها جيش الاحتلال الاسرائيلي، بل كان خطاب بنيامين نتنياهو فارغا وخاليا حتى من نقطة ضوء وبصيص أمل للشعب الاسرائيلي الذي تريد غالبيته انهاء الحرب وعودة "المخطوفين".
كان نتنياهو يبدو متعبا مرهقا شاحب الوجه، ومدركا أن العالم لن يسمعه، لذلك قرر مسبقا أن يخاطب في هذا الخطاب سكان حي تلبيوت في القدس الغربية وسكان بيتح تكفا (ملبس) وسكان مجدال هعيمق (المجيدل) وسكان روش بينا (الجاعونة) وأن يلقي نظرة بين جملة وجملة أخرى على "شلة المطيباتية" المؤلفة من زوجته سارة وابنه يائير وبعض الوزراء الإمعات الذين رافقوه من البلاد بناء على طلبه واختيار زوجته لهم كي يصفقوا له بعد كل نبرة من نبرات صوته المتفق عليها.
يدرك نتنياهو، على الرغم من جنون العظمة، أنه يمثل دولة منبوذة من دول العالم وشعوبه، كما يدرك أن دولا عديدة كانت صديقة لدودة لإسرائيل منذ تأسيسها مثل فرنسا وبريطانيا وهولندا وغيرهن قد اعترفت بدولة فلسطين التي ينكر وجودها ويعمل مع طغمة اليمين المتطرف على إبادة شعبها ومحو تاريخه الانساني الحضاري، ويدرك أيضا أن دولا عديدة كانت داعمة للسياسة الاسرائيلية في السنوات السابقة وقف رؤساؤها على منبر الجمعية العامة في هذا الأسبوع وانتقدوا وشجبوا ممارسات اسرائيل الهمجية في قطاع غزة وما يفعله المستوطنون في الضفة الغربية من اعتداءات وحشية على السكان الفلسطينيين وعلى أشجارهم وعلى مزروعاتهم وعلى آبار مياههم.
فقد الساحر سحره الذي كان يبثه بمهارة بين مندوبي الدول وبخاصة الدول الأوروبية، كما خسر ذكاءه ومهارته بالإقناع فبدأ ينتقد الدول الأوروبية دولة بعد دولة، هذه الدول التي عرفت بصداقتها الوطيدة لإسرائيل على مر عقود من عمر إسرائيل وعرفت بدعمها لها بالمال والإعلام فراح حضرته يؤنبها كما يؤنب الرجل الكبير صغاره ظانا أنه رئيس دولة عظمى وذو حق الوالد على أولاده الصغار، ولعله اعتقد أن بنيامين هو دونالد وأن نتنياهو هو ترامب.
وأما نقطة الذروة في خطاب الكراسي الفارغة فهي مكبرات الصوت التي أمر امبراطور اسبارطة عساكره أن يضعوها فوق أطلال البيوت المدمرة في قطاع غزة كي يسمع خطابه الفلسطينيون الغزيون، والاسرائيليون الذين هم في سجون حماس، وجنوده المتعبون من هذه الحرب الطويلة من أجل كرسي الزعيم إلا أن مكبرات الصوت هذه أزالت الغشاء عن الديموقراطية الإسرائيلية التي طالما تبجح بها الرجل الكلمنجي.
أكتب هذه الكلمات الآن في الساعة السادسة من مساء يوم الاثنين 29 أيلول في حين تروي أجهزة الإعلام عن لقاء بين ترامب ونتنياهو لإقناع الأخير بمشروعه ذي الواحد والعشرين بندا لإنهاء الحرب لعل إسرائيل توافق عليه.
مواضيع ذات صلة
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!
المستوطنة المجاورة: جيرة قسرية