الرياض وإعلان نيويورك.. مسار موثوق لحل الدولتين!
حسن المصطفى

رغم هذه الجهود الهامة الطريق مليء بالعقبات
نشاط واضح للديبلوماسية السعودية خلال شهر أيلول/ سبتمبر الجاري، واتصالات وتنسيق مع عواصم صناعة القرار الدولي، بغية دعم حقوق الشعب الفلسطيني، ووقف الأعمال الحربية العدائية التي تمارسها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني!
"إعلان نيويورك" رعته المملكة مع فرنسا داخل مقر الأمم المتحدة حيث صوتت غالبية واسعة من الدول لصالح خطوات "ملموسة وزمنية ولا رجعة فيها" نحو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة، وإقامة الدولة الفلسطينية، وفق قرارات الشرعية الدولية. هذا الإطار الدولي لم يكن ليأخذ زخمه من دون الحضور السعودي الذي ركز منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 حتى الآن على ترسيخ مسار موثوق وعملي من أجل إحلال السلام في الشرق الأوسط.
الرياض في مساعيها هذه، لم تكتفِ بالحراك السياسي والمساعدات الإغاثية الإنسانية، بل كان هنالك تعهد مالي من أجل بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية في مرحلة ما بعد وقف العدوان الإسرائيلي، لتظهر كفاعل محوري في إعادة الاعتبار لخيار حل الدولتين، وجعله لا مجرد موقف أخلاقي ورمزي، بل برنامجا عملانيا على جميع الدول التي أيدته أن تنخرط فيه بفاعلية كبيرة، سياسيا وماليا وأمنيا.
وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان شدد على أن "وقف الحرب في غزة شرط أساسي لاستئناف أي مسار سياسي" مضيفا أن المملكة "لن تكتفي بالبيانات، بل تسعى إلى إجراءات عملية على الأرض". وأعلن عن مساهمة سعودية بقيمة 90 مليون دولار لدعم السلطة الفلسطينية، في خطوة تبرز إدراكا بأن تقوية المؤسسات الفلسطينية شرط لنجاح أي تسوية، وإلا فسيصاب الفلسطينيون بالإحباط والشعور بعدم الجدوى!
هذا التوجه السعودي وجد صداه في كلمات قادة مؤثرين. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أعلن أن "فرنسا تعترف بدولة فلسطين"، معتبرا أن "هذا قرار من أجل السلام"، ومؤكدا أن أي ضم أو توسع استيطاني هو "خط أحمر". بدوره الأمين العام لـلأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش شكر السعودية وفرنسا على الدعوة إلى "المؤتمر" واصفا المبادرة بأنها "محورية لإحياء أفق السلام". أما ملك إسبانيا فيليب السادس فذهب أبعد، داعيا إسرائيل إلى "إيقاف المجزرة" وواصفا استهداف المدنيين والبنى التحتية بأنه "أفعال شائنة" تخالف القيم الإنسانية.
سياسيا وعبر هذه الديبلوماسية تسعى الرياض إلى ثلاثة أهداف مترابطة: أولا، إعادة إدراج فلسطين في صلب الأجندة الدولية بعدما همشتها الملفات الأخرى. ثانيا، بناء تحالفات عابرة للقارات لتثبيت نفسها كقوة توازن لا غنى عنها، تضغط على بقية العواصم من خلال التواصل الدائم لكي تعترف مستقبلا بالدولة الفلسطينية. ثالثا، ضمان أن يكون أي مسار تفاوضي مستندا إلى مؤسسات فلسطينية حقيقية وليست صورية، لتفادي تكرار فشل التجارب السابقة.
رغم هذه الجهود الهامة، الطريق مليء بالعقبات. فالحكومة الإسرائيلية المتطرفة ترفض صراحة حل الدولتين، وتواصل سياسات الاستيطان والتصعيد العسكري. والانقسام الفلسطيني الداخلي يضعف إمكانية تحويل الدعم الدولي إلى مشروع وطني موحد. تضاف إلى ذلك مهمة أساسية، وهي تحويل الإجماع السياسي الدولي إلى آليات مراقبة ملزمة، بما يجعل أي اتفاق مستقبلي قابلا للتنفيذ.
تستطيع السعودية توظيف هذا الزخم عبر محورين: أولهما، استخدام علاقاتها المتنامية مع قوى مثل الصين والهند والبرازيل لتعزيز الطابع العالمي للمبادرة، وحض الولايات المتحدة على الضغط على إسرائيل وإقناع واشنطن بأن الحل السلمي هو من مصلحتها أيضا. ثانيهما، الدفع نحو إنشاء "آلية تمويل دولية" مرتبطة بإعلان نيويورك، تضمن دعم السلطة الفلسطينية وإعادة إعمار غزة تحت إشراف أممي–عربي.
-----
عن "النهار"
مواضيع ذات صلة
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!
المستوطنة المجاورة: جيرة قسرية