نكبة غزة هي أفتك النكبات
باسم برهوم

نرى في كل لحظة تعبيرات نكبة قاسية ثقيلة للشعب الفلسطيني في قطاع غزة، رائحة الموت في كل زاوية. البؤس الشديد، الجوع، التدمير الشامل، وجوه يغطيها غبار أكوام ردم البنايات والبيوت، يائسين من الحصول على لقمة عيش نظيفة، كل شيء.
كل التفاصيل تتكلم عن نكبة فظيعة في قطاع غزة لا يشبهها أي نكبة من قبل ولا حتى نكبة العام 1948. في قطاع غزة هناك حرب إبادة جماعية، ودمار هدفه أن يسوي كل شيء بالأرض..لا مستشفيات، لا مدارس، لا بنى تحتية ولا شبكات ماء ولا كهرباء، بيئة ملوثة بشكل مريع، كل شيء جاهز للتهجير، وإسرائيل تنتظر الفرصة، وهي تهيئ الفرصة، وإذا نجحت ستكون نكبة بكل المعايير، وهنا يكمن الخطر.
إذا نجحت إسرائيل في إخراج قطاع غزة من إقليم الدولة الفلسطينية، فهذا يعني انه ليس هناك دولة في المدى المنظور، وهذا هو هدف التيار الصهيوني المتطرف، لن يتم سوى عبر التهجير، خصوصا ان في الولايات المتحدة الأميركية إدارة لم تقل علنا وبشكل واضح انها ضد التهجير، بل ما يصدر منها من إيماءات تدعم هذا الهدف.
وحتى لو لم تقم إسرائيل بهذه الخطوة بشكل مباشر وملموس، فإنها يمكن أن تترك القطاع على حاله المزرية لسنوات قليلة قادمة، وتقوم بفتح المعابر وسبل الخروج ويكون رهانها أن يخرج الغزيين في محاولة لانقاذ حياتهم وحياة أبنائهم.
وبالمقارنة، ففي نكبة العام 1948 وضع بن غوريون والقيادة الصهيونية في حينه خطة "دالت" لتهحير الفلسطينيين أولا قبل التدمير أو دون ان يكون هناك إبادة، ويلاحظ المتتبع ان أكثر من ربع مليون فلسطيني شردوا قبل أن تبدأ الحرب في 15 أيار/ مايو 1948، كانت طبريا وصفد وحيفا ويافا قد هجر أهلها مع مئات القرى قبل ان تبدأ الحرب.
وفي تموز/ يوليو، أي بعد مضي أقل من شهرين من الحرب اتخذ بن غوريون قرارا بتدمير القرى الفلسطينية التي تم تهجير أهلها. وكان السبب هو منع الفلسطينيين من العودة إلى قراهم، وإن حاول بعضهم العودة بطريقة أو أخرى، فإنهم لن يجدوا مكانا يأويهم.
أما ما يقوم به نتنياهو في غزة فهو البدء بحرب الإبادة والتدمير معا، لينهي كل أشكال الحياة في قطاع غزة، ومن ثم يقوم بالتهجير القسري والطوعي، بعد ان انهى نتنياهو أي فرصة لإعادة حياة الغزيين على ما كانت عليه قبل السابع من أكتوبر 2023.
وبغض النظر عن ما قد يحصل في المستقبل القريب، فإن النكبة من الناحية العملية حصلت، ولن نستطيع إعادة عقارب الساعة إلى الوراء مع الأسف، وهي نكبة أشد وطأة من نكبة العام 1948. وإذا ما أردنا الحد من نتائجها الكارثية، فإن هناك حاجة أن تتعقل حماس وتقوم بما يلزم منها لكي نسحب الذرائع من حكومة إسرائيل الفاشية، ونضغط من أجل وقف الحرب بأسرع وقت ممكن، وأن نضمن دخول الغذاء والدواء للمواطنين المنكوبين، ونوفر لهم الاحتياجات على أرضهم وفي وطنهم.
سيواصل نتنياهو التذرع بالرهائن وسلاح حماس بهدف توفير فرصة التهجير. من هنا فإن المطلوب من حماس هو اعطاء ضمانات بأنها ستفرج عن الرهان، وان تسلم سلاحها للسلطة الوطنية الفلسطينية او لأطراف عربية أو دولية، وتتخلى تماما عن حكم غزة.
هذه الخطوات هي بالأساس حاحة فلسطينية، انهاء الانقسام، وإعادة توحيد الإقليم الجغرافي للدولة الفلسطينية، وتطبيق القانون الفلسطيني، بمعنى سلاح شرعي واحد، وقانون واحد وسلطة واحدة، والخطوات هي المدخل لوقف الحرب ومنع ان تذهب النكبة إلى أبشع نهاياتها وهو التهجير القسري وسيطرة إسرائيلية دائمة على قطاع غزة.
الحكومة الإسرائيلية الحالية هي الأكثر تطرفا، وأهدافها واضحة، تصفية القضية الفلسطينية بالكامل عبر ضم الضفة وتحويل قطاع غزة إلى منطقة تحت السيطرة الدولية، بالإضافة إلى سيطرة اسرائيل الأمنية، وتحويله إلى مركز للإستثمارات العالمية، وخاصة الأميركية.
ليس هناك من مخرج سوى وقف الحرب بأي شكل من الأشكال، ووقف الحرب قد يؤدي إلى سقوط الحكومة المتطرفة، وخروح نتنياهو من الحياة السياسية في إسرائيل، هذا التطور لن يرى النور إلا بوقف الحرب، وهنا تأتي مسؤولية حماس، التي عليها ان تتخلى عن أنانيتها وتتصرف بمسؤولية.
موقف وخطوات حماس وحدها لا تكفي، فهناك مسؤولية يتحملها المجتمع الدولي، فلا يمكن وقف العدوان بدون ضغط دولي جدي، وبالتحديد من الولايات المتحدة الأميركية، ومن الرئيس ترامب شخصيا، لأنه وحده القادر على الضغط على نتنياهو.
مواضيع ذات صلة
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!
المستوطنة المجاورة: جيرة قسرية