عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 10 أيلول 2025

لماذا قررت جماعة الإخوان تأسيس حماس عام 1988؟

باسم برهوم

افتتحت جماعة الإخوان أول فرع رسمي لها في فلسطين عام 1945، بالرغم أنها كانت موجودة على شكل مجموعات متفرقة وجمعيات قبل ذلك بسنوات، وفي حرب العام 1948 أرسلت جماعة الإخوان المسلمين متطوعين إلى جانب الجيش المصري للمشاركة في الحرب، وعملوا بشكل منفصل، بالرغم أنهم نسقوا وجودهم أساسا مع الجيش المصري وانسحبوا مع هذا الجيش.

بعد ذلك توقف الاهتمام العملي لجماعة الإخوان بموضوع فلسطين، التي كانت قد اختفت عن الخريطة أصلا، وبهذا الشأن كتب سليم الزعنون "أبو الاديب" في مذكراته في قطاع غزة في خمسينيات القرن العشرين، أنه طالب الجماعة، التي كان عضوا فيها، بأن تشمل مكتباتهم كتبا عن فلسطين والمسألة الفلسطينية إلا أنهم لم يتعاطوا مع طلبه، وقالوا إن هدفهم الدعوة فقط، فقرر أبو الأديب أن يتركهم بعد أن اكتشف أن فلسطين ليست من ضمن أولوياتهم، وشارك لاحقا في تأسيس حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح".

بعد مشاركتها الرمزية في حرب 1948، لم تنخرط جماعة الإخوان بأي عمل يتعلق بالقضية الفلسطينية، وحتى عندما تأسست فتح نهاية الخمسينيات، وعند تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، وبعد ذلك عندما انطلقت الثورة الفلسطينية عام 1965، لم تلتفت جماعة الإخوان، بمن فيهم الأعضاء الفلسطينيون في الجماعة إلى كل هذه التطورات، بل على العكس كانوا منخرطين في حرب مع الرئيس القومي العربي جمال عبد الناصر، ومع مشروعه القومي، وكانوا منخرطين مع أجهزة الاستخبارات الغربية في محاربة الشيوعية في المنطقة والعالم. فالأولوية كانت بالنسبة للجماعة طوال العقود الثلاثة بعد نكبة 1948 هي مواجهة الخطر الشيوعي والمشروع القومي العربي أكثر مما كانوا مهتمين بالخطر الصهيوني وإسرائيل.

واللافت أن الجماعة بعد هزيمة 1967، رفضت الانضمام للثورة الفلسطينية، وعندما وافقت بخجل طالبت حركة فتح بأن يكون للجماعة قواعدها العسكرية المنفصلة في غور الأردن، أطلق عليها قواعد الشيوخ، ولم تستمر هذه التجربة سوى عدة أشهر، وعادت الجماعة لموقفها المبتعد عن المسألة الفلسطينية. والغريب أن الإخوان رفضوا حتى مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في الضفة وقطاع غزة والقدس الشرقية من العام 1967، ولم يسجل أي عمل مقاوم سلمي أو غير سلمي من جماعة الإخوان المسلمين حتى العام 1988. بل كانت خلال أكثر من عقدين تحصل على تراخيص لجمعياتها من سلطات الاحتلال، وكانت هذه الأخيرة تدعم نمو الجماعة على حساب منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها الوطنية، وبالتحديد حركة فتح.

ولم يكتف الإخوان في الأرض الفلسطينية المحتلة بدورهم السلبي، بل دخلوا بمواجهة مع القوى الوطنية في الجامعات، وفي مؤسسات أخرى، واستخدموا العنف الجسدي ضد الوطنيين الفلسطينيين، ولم يشاركوا بأي نشاط ضد الاحتلال.

وفي المجال الأوسع كانت جماعة الإخوان رأس الحربة الأميركية في حرب أفغانستان ضد النظام الشيوعي المدعوم من الاتحاد السوفييتي منذ العام 1979، وأصبحت جزءا رئيسيا من "المجاهدين" في أفغانستان، وبموازاة ذلك قامت بإحراق مكتبة جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني الني كان يترأسها المناضل الوطني حيدر عبد الشافي في غزة، بحجة أنها تحتوي كتبا شيوعية ويسارية وتدعو إلى حرية العقل، كما أحرقت دور السينما والمسارح. وواصلت جماعة الإخوان المسلمين مواقفها السلبية لعقد لاحق آخر من الزمن.

السؤال الآن: لماذا قررت جماعة الإخوان المسلمين تأسيس حركة المقاومة الإسلامية "حماس" والانخراط فجأة في العام 1988، في الصراع مع إسرائيل والتعامل مع المسألة الفلسطينية؟

من دون شك أن اندلاع الانتفاضة الأولى نهاية العام 1987، كان أحد تلك الأسباب، ولكن إذا نظرنا للمساحة الأوسع في المنطقة، فإن "حزب الله" في لبنان، الذي كان يمثل رأس حربة الإسلام السياسي الشيعي والثورة الإسلامية الإيرانية، ونموذجها لتصدير الثورة، بدأ مواجهة مباشرة مع الوجود الأميركي والفرنسي نهاية العام 1982. ومن ثم اشتبك مع جيش الاحتلال الإسرائيلي الذي كان يحتل المناطق الشيعية في جنوب لبنان. "حزب الله الشيعي" بدأ يستقطب الانتباه في الأوساط العربية، هذا التطور ترافق مع فكرة تصدير الثورة الإيرانية كما سبقت الإشارة، ما استفز الإسلام السياسي السني، وجعل جماعة الإخوان تستخدم ذات الورقة التي يستخدمها "حزب الله"، وهي القضية الفلسطينية.

بالنسبة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، رأت في تأسيس حماس بأنه تطور قد يكون مفيدا بالنسبة لها لأن حماس مثلت ظاهرة انشقاقية خلال الانتفاضة الأولى ومنافسة لمنظمة التحرير الفلسطينية، ظاهرة تستنزف الواقع الفلسطيني وتنهك اقتصاد الشعب الفلسطيني وتضعف من صموده، كونها كانت تقوم بفعاليات وإضرابات منفصلة عن تلك التي كانت تقررها القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة.

وكان متوقعا أن تدخل حماس في صراع مع الحركة الوطنية الفلسطينية، وخصوصا التنظيم الأكبر والأهم في الحركة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية، ألا وهو حركة فتح. ومن تابع تاريخ الحركة الوطنية منذ ذلك التاريخ لم تنعم بالوحدة لمرة واحدة. بل شهدت حالة استنزاف داخلي كانت خلالها حماس المدعومة باستمرار من التنظيم الدولي لجماعة الإخوان، ودول إقليمية تطرح نفسها بديلا لمنظة التحرير وحركة فتح التي صاغت الهوية الوطنية تحديدا.

لقد اعتقدت جماعة الإخوان أن الطريق للسلطة في المنطقة العربية يمر عبر القضية الفلسطينية، ومنذ أن تأسست حماس ودخلت حلبة المواجهة مع إسرائيل لمسنا تناميا سريعا للإخوان خلال عقد التسعينيات ومطلع الألفية، وانتهت المرحلة بثورات الربيع العربي عندما كانت جماعة الإخوان نفسها من القوة بحيث استطاعت خطف الثورات الشعبية لصالح الجماعة، فسيطروا على تونس، ومن ثم مصر. وفي ليبيا أصبحت رقما صعبا.

واليوم وبعد أن باءت سيطرتها على الحكم في تونس ومصر بالفشل تحاول عبر الدم الفلسطيني المهدور بغزارة في قطاع غزة لاستعادة شعبيتها، لذلك وبموازاة طوفان حماس والإخوان في غزة، تقوم الجماعة بإعادة تلميع تجربة الرئيس مرسي الفاشلة، وتحاول إعادة بناء نفسها في مصر من جديد.

وبالطبع في كل مكان في العالم يوجد فيه جاليات عربية وإسلامية، فإن جماعة الإخوان تجمع مليارات الدولارات باسم قطاع غزة، ولا يرى المواطن في غزة أي شيء من هذا المال.