عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 09 أيلول 2025

تدمير أبراج غزة تمهيدا لتنفيذ مشروع "الريفيرا"

باسم برهوم

في خطوة قد تسبق وقف الحرب، إسرائيل تقوم بتدمير آخر معالم مدينة غزة التي عرفها اصحابها والعالم منذ عقود، والابراج هي احد هذه المعالم التي شيدت في غزة في العقود الثلاث الاخيرة، وكانت الابراج منذ توقيع اتفاقيات اوسلو وانسحاب إسرائيل على مرحلتين، وتسلم السلطة الوطنية الفلسطينية الحكم، كانت الأبراج مؤشرا على نهضة غزة الحديثة. ومما يؤسف له، ان حماس وعندما قامت بانقلابها على الشرعية الفلسطينية عام 2007، قامت بقذف المناضلين الوطنيين الفلسطينيين من فوق هذه الابراج. وكانت سابقة خطيرة في الحياة السياسية الفلسطينية وهي سابقة قادت إلى اخطر انقسام في تاريخ الشعب الفلسطيني.
من الواضح ان قرارا اتخذ في اجتماع واشنطن الذي قدم فيه بلير وكوشنير خططهما لقطاع غزة، قرارا بتدمير كل ما تبقى من مبان في القطاع عموما وفي مدينة غزة تحديدا، ليتم تبرير إعادة بناء شاملة حسب مشروع ريفيرا غزة. والتدمير يعني ايضا عدم امكانية لعودة النازخين إلى أماكن سكنهم وحصرهم في مناطق ضيقة مخنوقة، وتحويل ظروف حياتهم إلى بيئة طاردة، والرهان بالنسبة لإسرائيل ان يمل الفلسطينيون حياتهم البائسة ويتسللوا بالعشرات وربما المئات إلى دول اخرى. 
فالهدف هنا مزدوج تدمير كل المعالم، وربما تدمير كل ما كان موجودا في ذاكرة الناس وخلق شيء جديد بالمطلق، والهدف الثاني، عندما يتخلصون من المعالم والبنيان فإنهم يسعون إلى التخلص من البشر، او الجزء الاكبر منهم، فالمشروع الاستعماري المعد لقطاع غزة لا يحتمل لا تاريخا ولا جغرافية ولا سكانا كانوا في المكان منذ آلاف السنيين.
لا شيء يبرر تدمير ابراج مدينة غزة. وهي المؤهلة لاستيعاب سكان اكثر، سوى ان التدمير المنهجي هو لتحقيق هدف التغيير الشامل، محو الواقع الحالي وإنشاء شيء جديد بالكامل. فالتبرير الذي يسوقه جيش الاحتلال الإسرائيلي بان حماس تستخدم هذه الابراج للمراقبة، ولتنظيم هجمات هو مبرر واهٍ لأن كل شيء في غزة فوق الأرض مكشوف تماما عبر طائرات الاستطلاع، والروبوتات التي تتنقل داخل البيوت والشقق، وفي كل زوايا الشوارع بكل أريحية، فهي تعلم بكل نفس في قطاع غزة، فما تملك إسرائيل من تكنولوجيا عسكرية متطورة لا يجعل من أي شيء فوق الارض مفاجئا، وربما تحت الارض أيضا.
فالمبرر العسكري للتدمير لا يقنع احدا، ويبقى الهدف الاستراتيجي، بمعنى الغاء وجود قطاع غزة الذي يعرفه اصحابه والعالم، تهيئة الواقع لتمرير مشروع ريفيرا غزة، وتحويل كل القطاع إلى ركام جاهز للجرف لا مكان لحياة البشر فيه، تهيئة جغرافيا سكانية متحكم بها، وفي مناطق محددة سلفا، وتحويلها مناطق بؤس لا يمكن العيش لفترات طويلة فيها ويتحقق بذلك هدف التهجير، ويسير بذلك المخطط الصهيوني كما هو مرسوم.
مشكلة الخطط الاستعمارية انها تهمل دائما ذكاء وتحمل وصبر والاهم تمسك اصحاب الأرض الأصليين  بأرضهم وبوطنهم، المواطنين الغزيين، الذي خبروا كل اشكال القمع والموت والارهاب والجوع، وحافظوا على عزيمتهم وإصرارهم على البقاء. لن يرحلوا كما يتخيل نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة، فلدى الغزيين روابط لا تشبه أي روابط اخرى بينهم وبين المكان المتأصل فيهم، هم يربطون المكان بذاكرة صلبة تمكنهم من الصمود في أسوأ الظروف لكي يحافظوا على وجودهم في تفاصيل ذاكرتهم. فما داموا موجودين في المكان فإن بإمكانهم استعادة الحياة التي بقيت في ذاكرتهم قوية. 
المخطط الاستعماري يخونه تقديره دائما في مدى تمسك الشعوب بأرض وطنها، والشعب الفلسطيني يقدم كل يوم مثالا ونموذجا حيا لهذا التمسك، فقد اثبت الفلسطيني كم هو صبور ويمكن أن يعيش بأقل سبل الحياة لكنه لن يترك ارض وطنه، فأي عملية إعادة بناء في غزة لن تتم إلا بسواعد اصحاب الارض ومن اجلهم.
قد يعتقد كاتس ومن فوقه نتنياهو انه مع تدمير ابراج غزة يدمر إرادة المواطنين الفلسطينيين الغزيين، فهم واهمون، الغزيون وهم يرون التدمير يفكرون في الوقت نفسه ومباشرة في كيف سيعيدون بناء غزة التي يعرفونها وليس التي يتخيلها نتنياهو. والمهم اليوم ان تتوقف الحرب، وبعدها مباشرة سنرى كيف سيعيد اهالي غزة  بناء مدنهم وقراهم، هم الشيء الثابت الوحيد في القطاع وما ابقى يمكن تدميره وإعادة بنائه.