أستراليا وأزمة العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل
عمار جمهور

تعد أستراليا النموذج الحضاري الغربي في شرق آسيا، فبالرغم من وقوعها جغرافيًا في آسيا إلا أنها من دول "الكومنولث" التي تتبع التاج الملكي البريطاني، ولها علاقات استراتيجية مع العالم الغربي ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية. وتتبنى بشكل كامل الفكر السياسي الغربي وترتبط بذلك فكريا وقيميا وثقافيا، وخاصة فيما يتعلق بحماية الحريات واحترام التعددية وحقوق الإنسان، بالإضافة إلى كونها دولة ديمقراطية، وذلك بالرغم من كونها دولة استعمارية حالها كحال الولايات المتحدة الأميركية وكندا وجنوب أفريقيا، وبريطانيا.
وقامت أستراليا على أنقاض الشعب الأصلي "الأبورجينال"، ولكن في العام 2008 قام رئيس الوزراء الأسترالي كيفن رود بالاعتذار رسميا وبشكل شامل للسكان الأصليين، جراء ما حل بهم من مآس وظلم تاريخي جراء ما عرف في حينه بفشل السياسات الاستيعابية، وخاصة فيما يتعلق بما يعرف بـ "الأجيال المسروقة"، الأجيال التي تم انتزاعها قسرا من عائلاتهم. وشكل هذا الاعتذار خطوة جريئة ومهمة للمصالحة، واعتبر هذا الاعتذار خطوة هامة نحو المصالحة المجتمعية. وأصبحت ثقافة السكان الأصلية "الفلكلورية" وتقاليدهم وموروثهم التاريخي مكونا أساسيا في الثقافة الأسترالية الجمعية.
وسارت أستراليا باستمرار على نهج الدول الغربية، وشاركت إلى جانب الحلفاء في الحربين العالميتين الأولى والثانية، ولحقت بها هزيمة كبيرة، وخسائر فادحة لا سيما في معركتها مع الأتراك في مضيق الدردنيل والتي عرفت "جاليبولي". وفي الحرب العالمية الثانية تعرضت للقصف والاستهداف من قبل اليابان وخاصة ولاية "دارون" الشمالية، والتي كانت الأقرب جغرافيا إلى اليابان.
وتعد المواقف السياسية التي اتخذتها الحكومة الأسترالية بشأن نيتها الاعتراف بالدولة الفلسطينية خلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في شهر سبتمبر من العام الجاري موقفا سياسيا متقدما، مبنيا على تطور وتقدم سياسي متواصل تجاه الشعوب المستعمرة، والتي لحق بها ظلم تاريخي. والاعتراف بفلسطين "الدولة" ويؤسس إلى مرحلة متطورة ومهمة في مستقبل العلاقات بين البلدين، خاصة أن الموقف الأسترالي جاء في مرحلة حرجة ومعقدة للغاية جراء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي كشفت للعالم فظاعة الجرائم التي ارتكبتها حكومة الكيان الصهيوني، والمتمثلة في الإبادة الجماعية، والحصار ومنع إدخال المساعدات الغذائية والطبية، ما تسبب في تفشي المجاعة وانتشار الأمراض والأوبئة.
يعد التحول الجوهري والعميق في الموقف الأسترالي تحولا تاريخيا يضاف إلى ما فعلته رئيسة الوزراء الأسترالية جوليا جيلارد حينما امتنعت أستراليا عن التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح منح فلسطين درجة مراقب غير عضو، حيث جرت العادة على مجاراة أستراليا لسياسة الولايات المتحدة الأميركية في المحافل الدولية فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وقبل اسابيع شارك الآلاف في مسيرة حاشدة على جسر سدني بحضور وزير الخارجية الأسترالي الأسبق بوب كار، وهو الذي أقنع رئيسة الوزراء الأسترالية والحكومة الأسترالية بضرورة الامتناع عن التصويت على رفع مكانة فلسطين في الجمعية العامة في العام 2012.
وفي العام الماضي، دعمت أستراليا على لسان وزيرة خارجيتها الجهود الفلسطينية لرفع مكانة فلسطين إلى دولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة، معتبرة أن هذا الموقف يأتي لتأمين السلام، وصوتت لصالح قرار الجمعية الذي سيعترف فعليًا بدولة فلسطينية.
أستراليا كانت من أكبر الدول التي استوعبت المهاجرين اليهود من أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت مدينة ملبورن من أكثر المدن الأسترالية اكتظاظا باليهود، ويقارب عدد اليهود في أستراليا أكثر من مئة ألف. وكان لقرار وزير الداخلية الأسترالي توني بيرك إلغاء تأشيرة دخول الوزير الإسرائيلي من حزب الصهوينية الدينية سماحا روثمان وقعه الكبير على حكومة نتنياهو، التي سرعان ما ردت بعدم منح تأشيرات إقامة للدبلوماسيين في الممثلية الأسترالية في فلسطين. ولم يكن هذا المنع هو الأول من نوعه فقد منعت الحكومة الأسترالية تأشيرة دخول لوزيرة العدل السابقة أيليت شاكيد العام الماضي، بتهمة معارضتها قيام دولة فلسطينية. وشهدت الأيام الماضية حربا من التصريحات السياسية والاتهامات المتبادلة بين رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وتشير المعطيات إلى أن المنظور السياسي الذي تنتهجه أستراليا تجاه القضية الفلسطينية بات أقرب ما يكون للواقعية السياسية. وأقرب إلى روح القانون الدولي، وذلك بفعل الانتشار الواعي لدى السياسيين الأستراليين ولا سيما حزب العمال -وسط يسار معتدل-، حيث لعبت المنظمات المؤيدة والداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني دورا كبيرا في التحشيد والتجنيد للضغط على الحكومة الأسترالية لاتخاذ مواقف سياسية لوقف الحرب ودعم الشعب الفلسطيني لتجسيد دولته واقعا ملموسا موجودا على الأرض، وكذلك لعبت منصات وسائل التواصل الاجتماعي والمؤثرون والمنابر الإعلامية دورا محوريا في نقل واقع الإبادة ونشر صورها وأخبارها وقصصها أمام الشعب الأسترالي بصورة جلية وواضحة ولا تقبل التأويل أو التحريف. وتجلى ذلك باستجابة وزيرة الخارجية الأسترالية بيني وونغ لمطالب المتظاهرين المطالبين بضرورة انهاء معاناة المدنيين ووضع حد لسياسية التجويع في قطاع غزة.
الاعتراف الأسترالي بدولة فلسطين سيرفع من المكانة الدبلوماسية الفلسطينية في كانبيرا، الأمر الذي سيقود إلى مزيد من بذل الجهود الدبلوماسية التي تصب في نهاية المطاف في تعزيز السردية الفلسطينية، عبر انتهاج الدبلوماسية الرسمية، والدبلوماسية العامة سواء كانت الرقمية الشعبية أو الدبلوماسية الرقمية لتمتين العلاقات وفتح آفاق جديدة من التعاون المستقبلي في المجالات المختلفة.
مواضيع ذات صلة
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!
المستوطنة المجاورة: جيرة قسرية