عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 24 آب 2025

كيف تحول قوميون ويساريون أبواقًا للإخوان؟

باسم برهوم

لا جدال ان تنظيم جماعة الاخوان المسلمين الدولي هو الأكثر مأسسة وحنكة، ولديه إمكانيات تفوق كل ما لدى القوى السياسية الأخرى مجتمعة، ويمتلك التنظيم  أدوات إعلامية يصعب تخيل حجمها وتأثيرها الذي يكاد يكون طاغيا في تشكيل وعي العامة، ويملك التنظيم من المؤسسات المالية والمال، ما يمكنه من تمويل نفسه وتمويل آخرين ينفذون أجندته. وأغلبهم في هذه المرحلة من التنظيمات القومية واليسارية، ولم يصل هذا التنظيم إلى ما وصل اليه سوى لأنه ولعقود طويلة كان إحدى أدوات الاستخبارات الغربية.

 وما يجدر التذكير به أن عددًا غير بسيط من احزاب وتنظيمات اليسار كانت الأنظمة القومية والتقدمية تمولها، وهي انظمة تبدأ من نظام عبد الناصر في مصر، وتمر بأنظمة البعث في العراق وسوريا، وتنتهي عند نظام القذافي في ليبيا، وبعد تفكك المعسكر الاشتراكي، وخاصة الاتحاد السوفياتي  نهاية ثمانينيات ومطلع التسعينيات من القرن العشرين، وسقوط الأنظمة العربية المشار اليها، وجد القوميون واليساريون أنفسهم دون راع ولا ممول.

جماعة الإخوان هي اكثر من استفاد من هذا الفراغ الذي تركه تفكك وانهيار المعسكر الاشتراكي  وسقوط الانظمة المشار اليها. وعملت هي وداعموها الإقليميون بدهاء على استقطاب هؤلاء، خصوصا انها استغلت ثورات الربيع العربي وقدمت نفسها بأنها هي البديل والمقاومة، كما قدم النظام الايراني، ودول إقليمية اخرى الدعم للجماعة. وتدريجيا وتحت غطاء "المقاومة" لم يجد هؤلاء اليساريون والقوميون، الذين كانوا أعداء ايديولوجيين والاكثر تشددا تجاه جماعة الاخوان في الماضي أي غضاضة في التحالف مع هذه الجماعة التي كانوا يصفونها بأنها من القوى الرجعية، ولم يجد هؤلاء القوميون واليساريون أي مشكلة بتتفيذ أجندات الاخوان، سياسيا وإعلاميا.

لقد قامت الجماعة باستخدامهم إلى اقصى حد، ومن خلالهم استطاعت الوصول إلى جماهير ونخب كان من الصعب الوصول إليها بسبب طابع جماعة الإخوان الديني والطائفي، كون الجماعة تقتصر عضويتها على المسلمين السنة.

كيف ترجم هذا المشهد في الساحة الفلسطينية، وكيف تحول معظم من كانوا يقدمون أنفسهم انهم يساريون إلى أدوات بيد جماعة الاخوان، وتحالفوا مع حماس فرع الجماعة في فلسطين ولم يتخلوا  فقط عن برامجهم الاجتماعية اليسارية، وإنما أيضًا عن ثوريتهم!!

لنأخذ بعض فصائل اليسار عندنا نموذجا. خاصة الذين كانوا امتداد لحركة القوميين العرب، ومن ثم ومع صعود الموجة الماركسية في المنطقة العربية، وخاصة بعد هزيمة حرب حزيران/ يونيو 1967، تبنت فصائل عدة، الماركسيية اللينينية وعلى نحو من التشدد والتطرف. ومن بين أكبر ممولي هذه الفصائل على امتداد عقود كان نظام البعث العراقي، ونظام القذافي، كان هذان النظامان يدعمان هذه الفصائل وغيرها من الفصائل الفلسطينية نكاية بحركة فتح التي كانت ترفض ان تكون في جيب أحد، أو أن تنخرط بأجندات غير الأجندة الوطنية الفلسطينية. فكانت هذه الفصائل أحصنة الأنظمة داخل منظمة التحرير الفلسطينية من اجل الضغط على فتح وقيادة المنظمة، ومع الاسف غالبا ما كان هذا الواقع يقود إلى شق المنظمة وانقسامها على نفسها.

بعد أن فقدت هذه الفصائل مموليها من الأنظمة العربية، توجهت تدريجيا نحو إيران وحماس، وأصبح الطرفان الممولين الرئيسيين لها منذ أعوام طويلة، نموذج اليسار هذا أصبح منخرطا في الأجندة الاخوانية، والغطاء لهذا  هو "المقاومة"، لكن في نظرة عميقة نلاحظ أن بعض هذه الفصائل تخلت عمليا عن قوميتها وماركسيتها، وحتى عن  برامجها الاجتماعية لصالح التمويل الإيراني الإخواني.

بالمناسبة هذا الواقع لا ينطبق وحسب على الأحزاب والتنظيمات والفصائل المشار إليها، بل يمتد إلى النخب، فعلى سبيل المثال، لا يضير الجماعة أن تكون امرأة غير محجبة مثلا، بل وسافرة حسب وصفهم إذا ما كانت تصريحاتها وأقوالها تخدم اجندتهم. والامر ذاته ينطبق على شخصيات معروف عنها انها قومية او يسارية، او حتى ليبرالية، فهم يتلقون دعما لمركز أبحاثهم ومؤسساتهم من الجماعة والدول الإقليمية الراعية للجماعة وحركات الإسلام السياسي بشقية السني والشيعي.

لقد أصبح اغلب اليسار، وأغلب القوميين جنودا في خدمة أجندة الاخوان متخلين تماما عن برامجهم الاجتماعية والثقافية والفكرية.

في أربعينيات وخمسينيات وحتى ستينيات القرن الماضي كان الشيوعيون العرب يلعبون دورا تنويريا وثقافيا لا ينافسهم به أحد سوى بعض النخب الليبرالية.. اين هم اليوم؟!

صحيح أن العالم شهد منذ انهيار المعسكر الاشتراكي تغيرا  كبيرا وعميقا، لكن ما نلمسه ان ما تبقى من الشيوعيين العرب قد ابتعدوا عن دورهم الثقافي والتنويري. انه أمر محزن أن ينحدر واقع اليسار ليصبح حليفا لفكر ظلامي معاد للثقافة والنهوض، ولكل الافكار التي كان ينادي بها شيوعيو القرن العشرين، وهذا بالنسبة لأشخاص عاشوا في ذلك الزمن النهضوي كان من درب الخيال. ففي حين أن جماعة الاخوان المسلمين بقيت متمسكة بقوة بفكرها وعقيدتها،  إلا أن من غير جلده هم هؤلاء الذين يقولون انهم يساريون وقوميون.