عاجل

الرئيسية » ثقافة » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 16 آب 2025

النغم الأخير لن يكون للقنابل.. "سيمفونية" أمل من بين ركام غزة

غزة- الحياة الجديدة- لميس الأسطل- تتشابك أصوات الانفجارات مع صدى الركام في قطاع غزة؛ فيكتنز الليل بدموع الأمهات وصرخات الأطفال وآهات الرجال، لينهض صوت العود من بين أنامل الموسيقار إسماعيل داود، مع بزوغ فجر جديد، حاملا بين أوتار عوده نبضا بالحياة، معيدا ترتيب قلوب شعبه الممزقة بنغمة من الأمل، وراسما الابتسامة على وجوه يحاصرها الخوف والرعب في كل زاوية ومكان، موقظا لذكرياتهم، ومولدا لأحلامهم، ليكون محرابا للصمود، ونافذة للعالم توثق قصة وطن مكلوم يريد للحياة سبيلا.

درس داود (45 عاما) العلوم الموسيقية في تونس بعد حصوله على منحة من وزارة الثقافة عام 1998م، بعد إنهائه الثانوية العامة، عاشقا لها منذ طفولته؛ إعجابا بوالده مشرف النشاط الموسيقي في مديرية التربية والتعليم بمحافظة غزة، فكان يغني ويعزف على آلة العود؛ فحرص على تعلمها والتخصص بها، حاصلا على دبلوم فيها من معهد الموسيقى هناك، متبعا ذلك بدرجة الدكتوراة، عائدا إلى أرض الوطن بعد 14 عاما؛ لتدريسها ونشر ألحانها في ربوع قطاع غزة.

يقول داود: "ما دفعني لتعلم الموسيقى هو ندرة الموسيقيين المتعلمين الحاصلين على شهادات في هذا التخصص؛ فعزمت على دراستها والاستمرار فيها والحصول على أعلى الشهادات؛ لأنها لغة عالمية جميلة تعتمد على الإبداع والخيال، وهي فن من الفنون الرائعة وأداة مقاومة وكفاح وتعبير، تعمل على تحفيز الإبداع الداخلي عند الإنسان خاصة الأطفال، مهمة في جميع مجالات الحياة المتعددة كالتربية والتنشيط وغيرها".

ويضيف: "مذ كنت صغيرا، كنت أعزف على آلة الطبلة في بداية حياتي الفنية، ممارسا إياها مع شقيقي الأكبر رمزي الذي كان يعزف على آلة الأورغ، فعلمني على آلتي الإيقاع والدرامز؛ فعزفنا سويا في الحفلات في فترة الانتفاضة الأولى من عام 1992م وحتى 1994م، مستمرا في العزف على الأخيرة بعد دخول السلطة الوطنية أرض الوطن وحتى عام ثانويتي العامة، فتوقفت آنذاك وسافرت لتونس لدراسة الموسيقى مباشرة، فعدت للعزف على حبي الأول -آلة العود- وتخصصت فيها".

ويستكمل: "بدأت علاقتي في تدريس الموسيقى على أرض الوطن مع مدرسة غزة للموسيقى عام 2012م، التي أنشأها معهد القطان للطفل كمشروع لمدة 4 سنوات، وحضرت في العام الأخير لها، وشاركت المدرسة في مسابقة فلسطين للعزف على الآلات الموسيقية والغناء التي أنشأها معهد إدوارد سعيد في الضفة الفلسطينية، وحينها تعرفت إدارة المعهد على طلابنا ومواهبنا وأساتذتنا بغزة، وبعد انتهاء المشروع، استلمها المعهد بنفس العام كفرع خامس له في غزة"، لافتا إلى عراقته ومكانته واسمه، متأسسا في مدينة القدس عام 1993م باسم المعهد الوطني للموسيقى، ثم انتقل إلى رام الله عام 2003م؛ تأبينا وتقديرا للناقد والسياسي الفنان إدوارد سعيد؛ فسمي على اسمه".

ويروي دواد: "بعد اندلاع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2023م، تدمر المعهد في منطقة تل الهوا بمحافظة غزة بصورة جزئية في جزئه الشمالي الغربي وزوايا القاعات التي كنا نتدرب فيها، دون أن نتمكن من إنقاذ أي شيء من المعدات والأدوات؛ ما أدى إلى احتراقها وتدميرها وسرقتها، فشعرت بالألم والحزن الشديدين من أعماق قلبي، فقد كانت تربطني الكثير من الذكريات فيه، وكل شيء ذهب هباء منثورا، فلم يعد يصلح للعمل ولا للتدريب؛ لأنه بحاجة لترميم وتنظيف وإعادة إحيائه من جديد وتوفير المعدات اللازمة له؛ ليعود كما كان عليه سابقا".

ويقول: "كان المعهد آية في الجمال، باحتوائه لمختلف الآلات الموسيقية، كالناي والعود والكامنجا والغيتار والتشيللو والإيقاع والبيانو وغيرها الكثير"، مشيرا إلى وجود الجراند بيانو "الكبير" الذي قدمته دولة اليابان هدية لشعبنا الفلسطيني، متأسفا على تدميره وحرقه بفعل الاحتلال الاسرائيلي، شاعرا بأسى كبير؛ لفقدانه بيته الثاني وآلاته الخاصة وكتبه الموسيقية؛ لأنها تحمل ذكريات جميلة تعز عليه في كل ركن وزاوية.

ويشير داود إلى أن إدارة المعهد في الضفة الفلسطينية لم تتوقف عن دعم أساتذة الموسيقى في غزة بعد هذا المصاب؛ فقد بقوا مكابدين العدوان بأيامه وشهوره وسنواته، وانطلاقا من مسؤوليتهم الإنسانية والوطنية والفنية صمدوا رغم تدمير البناء، وتم التواصل معهم من طرف المعهد؛ لممارسة الموسيقى وإعادة تدريسها والغناء في أماكن النزوح ومخيمات الإيواء.

ويضيف: "تلقينا كافة أشكال الدعم المادي والمعنوي والفني؛ فعملنا على إعادة مزاولة النشاط الموسيقي في الخيام؛ فاستقبلنا الكثير من الأطفال والشباب في أماكن النزوح، ودبت الروح من جديد فيها، ليشدو صداها في أريج أركانها البسيطة، فكانت الخيمة بحكم مقر للمعهد في أماكن تواجدنا كأساتذة، فبدأنا من منطقة مواصي محافظة خان يونس جنوبي قطاع غزة، في خيمة زميلنا أحمد أبو عمشة أستاذ آلة الغيتار، وكذلك الأمر مع أسامة الجحجوح أستاذ آلة الناي، وأنا على آلة العود وبلال أبو العنزيب على آلة الايقاع، وكلنا بدأنا بتدريس هذه الآلات والغناء مع الجمهور، منتجين الكثير من الإنتاجات الفنية، مخرجين العديد من المواهب على الآلات المتنوعة وكذلك الغناء الجماعي أي الكورال".

ويؤكد داود: "كان الطلبة مستمتعين جدا بتعلم الموسيقى في الخيام؛ لأنهم وجودوا وسيلة ونشاطا وطاقما متخصصا يلبي لهم رغباتهم الفنية، فسيطر عليهم الحماس؛ لأجل تعلم العزف على الآلات والحرص على التقدم فيها بشكل كبير، فقد كان الوقت والإمكانيات التي وفرناها لهم متاحة، وطلبنا منهم في بادئ الأمر التركيز والمواظبة والانضباط في الدروس، وبالفعل عملوا على تلبية ذلك، مقيمين العديد من العروض الموسيقية والغنائية في عدة أماكن في مخيمنا، إضافة إلى المخيمات المجاورة؛ ما أدى لخلق نوع من الفرح والمتعة والدعم والتفريغ النفسي لهم وحتى للأهالي، محققين تفاعلا وإقبالا رائعا، ما أدى إلى مطالبتهم لنا بالمزيد والمزيد".

ويستطرد: "حققنا تغيرا ملحوظا في نفسية الطلبة عند ممارسة الموسيقى، ورغم كافة الظروف كانوا يأتون إلى الحصص الموسيقية، فبعد أن كانوا محبطين مضغوطين مريضين خائفين غير مستقرين نفسيا ولا عاطفيا ولا حتى اجتماعيا، غير قادرين على الاستمتاع والتركيز في الإيقاع والنغمات؛ بسبب القصف والنزوح والدمار والدماء التي يعيشونها كل لحظة؛ تحفزت مصادر الإلهام لديهم، وصفا ذهنهم، وسيطرت الإيجابية على نفسيتهم، وقل مستوى الخوف والرعب في قلوبهم؛ فدعمتهم الموسيقى نفسيا، وفرغت الىى حد جيد الكبت لديهم، منعكسا ذلك على تقدم أدائهم بصورة جيدة في العزف على الآلات الموسيقية، ومن ثم إبداعهم في الغناء والعروض الموسيقية التي أقمناها".

ويبين داود: "للموسيقى أهمية كبيرة في حياة الإنسان؛ فهي غذاء الروح، تعمل على استلهام طاقتي العقل والجسد معا، وتحفز مكامن الإبداع والخيال، مستحضرة حيوية وطاقة الطفل والشاب، محققة للأول الأمان وللأخير الذات وللعجوز سلواه، متميزة بكونها لغة عالمية ثقافية، ونظريات فيزيائية رياضية، تحمل بين طياتها نغمات تعبر عن تراث البلدان وحضارتها، ممتعة متلقيها في التناغم والألحان المنتجة عبر الآلات المختلفة".

ويقول: "الموسيقى أيضا علاج لكثير من الأمراض النفسية والجسدية التي لا يمكن للطب الكيميائي علاجها؛ فالحياة دونها حياة صامتة خالية من الروح والحيوية والجمال"، مستندا إلى قول الفيلسوف والعلامة أبي حامد الغزالي: "من لم يحركه الربيع أزهاره والعود أوتاره؛ فهو فاسد المزاج ليس له علاج".

ويوضح داود: "التحديات التي واجهناها في الاستمرار برسالتنا كبيرة جدا؛ أن تستعيد حيويتك ونشاطك وتعزف وتغني في ظل حرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة التي طالت الشجر والحجر والبشر ليس بالقرار السهل، ولكن واجهنا هذه الصعاب وضغطنا على أنفسنا وعواطفنا بعد سبعة شهور من بدء العدوان؛ فاخترنا المكان وزودنا بالأدوات الموسيقية اللازمة رغم الظروف التي كنا نعاني منها بسبب التنقل والقصف والقذائف والدمار الذي كان يحيط بنا، فمارسنا النشاط الموسيقي في شمال غزة ووسطها وجنوبها، وتميزت الأماكن والتجهيزات ببدائيتها وبسطاتها حيث صنع زميلنا أحمد المقاعد من الخشب بيديه، وقمنا بتسجيل أغانينا في (ستوديو) صنعناه من الفراش الإسفنجي والبطانيات بمصاحبة الأدوات؛ فكنا بين الحياة والموت".

ويكمل: "هناك الكثير من قصص النجاح واللحظات الحزينة التي أثرت بنا على حد سواء أثناء تعليمنا لأبناء شعبنا وسط الدمار والركام؛ فنجحنا في الحفاظ على وقت الشباب واستثماره بشكل إيجابي بعد أن كانوا عرضة للانصياع لمجالات سلبية كالتدخين أو السرقة أو الانحلال الأخلاقي وغيرها، فكانت الموسيقى ملاذا آمنا لهم، وهناك البعض منهم حرص على التعلم على أكثر من آلة ونجح في ذلك، فتحدياتهم وإبداعهم ومواهبهم لا حدود لها، وهناك من فقد أحد أفراد عائلته؛ فامتنع عن الحضور عدة أيام حزنا على من فقد، وهناك من كان يحضر وهو حزين على فقدان مأواه"، متنهدا بحزن على فقدان يوسف سلمان أحد الطلاب الذين كانوا يعزفون على آلتي العود الغيتار، بعد قصف إسرائيلي طال أحد المقاهي أثناء تواجده هناك؛ محاولة منه للتواصل مع والدته عبر الإنترنت، حيث تم اعلان الحداد على روحه لثلاثة أيام، وانتجنا عملا فنيا مهدى لشخصه وذكراه.

ويواصل داود: "الخطط الحالية والقادمة لإنعاش معهدنا في قطاع غزة كثيرة ومتنوعة، فعلى المدى القريب، بدأناها بتعلم العزف على الآلات وتشيكل فرق الكورال وإقامة الحفلات والعروض الموسيقية في مخيمات النزوح، وممارسة بعض النشاطات التي كنا دائبين عليها قبل الحرب، مثل: برنامج بدايات، الذي كان يهتم بتعليم الأطفال بدايات العزف على آلة معينة بصورة جماعية، وعقد ورش التعلم على الآلات المتنوعة عبر منصة (الزوم) الإلكترونية، من طرف أساتذة فلسطينيين في الضفة المحتلة والخارج؛ هادفة لتكوين الكوادر الفنية وتقوية إمكانياتهم وزيادة خبراتهم في ظل هذه الظروف الصعبة؛ ليخدموا وطنهم، إضافة لإنشاء مخيمات فنية في عدة أماكن وليس فقط في المخيمات التي يقطن فيها الأساتذة، أما على المدى البعيد فهناك أجندة أخرى في طور الإعداد تكون على منوال ما سبق، وربما افتتاح مقر ثابت للمعهد يحتوي على أدوات ومعدات بصورة كافية، أو العمل على إعادة ترميمه وفتحه واستقبال الطلبة والعمل فيه".

ويردف: "الفنان مثلما يشعر بالخيال والإبداع وقت الرخاء، يتراجع ذلك لديه وقت الحرب والضغوط وانعدام الاستقرار، في ظل وجود الكثير من المشتتات في محاولة الحياة في قطاع غزة، من محاولات توفير لقمة العيش من مأكل ومشرب ومأوى، والنزوح المتكرر، والتفكير في مستقبل مجهول، وغيرها الكثير؛ ما يخلق لدينا نوعا من الإحباط، فلا نستطيع العزف والغناء، مواسين أنفسنا بالإيمان بقضاء الله تعالى وقدره، وضرورة التمسك بأحلامنا كي لا نفقدها إلى الأبد، مفرغين ما في أنفسنا عبر اللعب على الأوتار الحزينة".

ويحاول دواد إيصال رسالة إنسانية وطنية فنية من خلال الموسيقى كونها أسرع وسيلة للوصول إلى قلوب العالم، بأنها أداة من أدوات المقاومة والصمود والكفاح الفلسطيني؛ تحمل هوية شعب بتراثه ومعالمه وصفاته عبر الألحان والكلمات والروح والإحساس والمشاعر، مؤكدا تدريسهم الأطفال والزهرات والأشبال الأنماط الغنائية الموسيقية الشعبية الفلسطينية؛ إيمانا بضرورة التمسك بالهوية، وبث الانتماء الوطني في نفوسهم، والعمل على الحفاظ على مكنونات ذوي المواهب منهم واستيعابها، والحرص على نشر الموسيقى في كل خيمة فلسطينية وتبنيها حتى تحت نيران الحرب الدامية وفي الظروف الصعبة كما في وقت السلم والرخاء، إيمانا باستحقاقهم للحياة ونبضهم بنغم الحرية، مدللا على ذلك قائلا: "أؤمن كما الفلاسفة أنك إذا أردت أن تتعرف على مجتمع فعليك أن تتعرف على موسيقاه".

ويختتم حديثه: "أناشد كل صاحب ضمير حي بوقف آلة الدمار؛ تحقيقا للأمن والأمان والاستقرار في ربوع الوطن، والعيش فيه بكامل حقوقنا كأي دولة أخرى من دول العالم، وأن يكون لنا كينونتنا كشعب يلقى قيمته وقدره في بلده".

واضاف: "لا نريد الهجرة والتهجير، بل أن نمارس موسيقانا وعزفنا وأبجديتنا وألحاننا على أرضنا، بإقامة المهرجانات وبناء المعاهد والأكاديميات التي تجسد إنسانيتنا وحيويتنا ورغبتنا في الحياة من جديد؛ لنعيد بناء وطننا الذي دمر، والعيش حياة هانئة رغيدة، إضافة إلى السفر للخارج؛ لتمثيل وطننا في المحافل الدولية وإيصال صوتنا والتعريف بموسيقانا والتعرف على موسياقهم"، لافتا إلى أنه إذا صمت العالم اتجاههم تبقى الموسيقى لتحكي قصصهم وحفظ أرواحهم وإضاءة دروبهم.