عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 06 آب 2025

أقلام عربية - هل طوى السابع من أكتوبر صفحة المقاومة المسلحة؟

أوس أبوعطا*

من نافل القول إن مأساة الفلسطينيين بعد السابع من أكتوبر هي مأساة القرن بلا منازع. لا يتوقف الأمر عند حرب الإبادة الشاملة، وقتل الأبرياء من جميع الفئات العمرية، والتجويع، والتعطيش، وحرمان التلاميذ والطلبة، ذكورا وإناثا، من حقهم الطبيعي في التعليم، وتأخرهم عامين كاملين عن أقرانهم من الجنسيات الأخرى وأشقائهم في الضفة الغربية، ما أضر بمستقبلهم وولد في أرواحهم القهر، ونقلهم من المنزل إلى الخيمة، بل يتعدى ذلك إلى الأثر النفسي المرير من الخوف والهلع وانتظار الموت في كل لحظة، ما خلق جيلا كاملا مشوها جسديا ونفسيا للأسف الشديد.

كل هذه المصائب والخطوب أدت إلى تراجع الحال الفلسطيني، لا تقدمه، فضلا عن أنها ستؤدي حتما إلى مراجعة الوسائل التي تسعى لتحقيق غاية الدولة الفلسطينية المستقلة، وسيؤدي ذلك لا محالة إلى سقوط خيار الكفاح المسلح بشكل نهائي.

العنف الثوري، كما يحلو للبعض تسميته، هو وسيلة فقط، وليس غاية كما يؤمن متعصبو اليمين واليسار الفلسطينييْن. المشكلة الحقيقية أن فعلهم التحرري اقتصر على هذا الخيار اليتيم من بين العديد من الخيارات والوسائل لتحقيق الغاية المنشودة بدولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو – حزيران 1967.

يشير الواقع المزري إلى الفشل المدوي للكفاح المسلح. وعليه، من الطبيعي التوجه نحو وسائل أخرى مجدية وأكثر براغماتية، أو على الأقل عدم تخوين أو تعطيل مسار من يتخذ وسائل غير القتل والقتال سبيلاً لتحرير الأرض والعرض.

السبل السياسية والدبلوماسية تراعي سلامة الشعب، وتهدف إلى تثبيته على أرضه، ولا تقدم الذرائع لقتله أو تهجيره من قبل حكومة إسرائيلية تُعد الأشد يمينية وتطرفا في تاريخ إسرائيل، والتي لا تجد ولن تجد رادعا في المستقبل المنظور.

من يتابع صور المجزرة والمجاعة اليومية في قطاع غزة، سيكتشف بسهولة أن الشعب الفلسطيني في غزة لم يعد يهتم بتحرير كامل الأراضي الفلسطينية، أو تحقيق أي من الأهداف القريبة أو البعيدة التي طرحها الراحل محمد الضيف عند انطلاق هجوم السابع من أكتوبر، والتي لم يتحقق منها شيء. الشعب الفلسطيني اليوم يفكر في أمر واحد: كيف يبقى على قيد الحياة، ويطعم أولاده، ويعلمهم، ويمارس حياته بشكل طبيعي.

بعد هذه المحرقة المؤلمة لشعب بأسره سيخرج الفلسطينيون من ثنائية البطولة والتضحية، وهما الخياران اللذان أُطّر بهما دون استشارته أو الاهتمام بحقوقه الأساسية في الأمن والغذاء والماء والدواء والصحة والتعليم وممارسة الشعائر الدينية.

التفكير الفلسطيني الجمعي اليوم ينحصر في خيار ثالث لم تمارسه حركة حماس ومن يرتبط بها من فصائل إسلامية أو يسارية، وهو خيار بعيد تماما عن تصدير صورة الفلسطيني كبطل أو ضحية، والذي لم يحقق أي نتيجة وطنية تذكر، بل أتى بنتائج عكسية تماما: المقاومة السلمية، كما يمارسها أي شعب محتل على وجه الأرض.

لتحقيق هذا الخيار المنطقي سينحصر النضال الفلسطيني، في قادم الأيام، في العمل الدبلوماسي والمقاومة الشعبية السلمية من مظاهرات ووقفات احتجاجية وإضرابات. فما حدث من فظائع يندى لها جبين الإنسانية، وبسبب خلل توازن القوى العسكرية الرهيب، أكد أن المربع العسكري هو المربع الذي يريده الاحتلال الإسرائيلي، إذ يستدرج سلاح المقاومة المبررات لارتكاب هواياته الشاذة من قتل وحرق وتخريب.

في المقابل يحقق الخيار الدبلوماسي المسنود بالشرعية الدولية نتائج تبعث على الطمأنينة، وهو أقل كلفة بكثير، فلا مدافع تقصف، ولا طائرات تدمر، ولا دماء تراق، ويحتم أن يكون رد الاحتلال محصورا في السياق ذاته.

ذاق الفلسطينيون ثمرة الدبلوماسية الواقعية بعد اتفاق أوسلو، فعادوا إلى أرض الوطن، وحرروا عشرة آلاف أسير، وأُطلق العمل في المطار والميناء، وبُنيت المدارس والجامعات، وتدفقت المساعدات الدولية، وأُجريت انتخابات ديمقراطية نزيهة، وتواصلوا مع غالبية دول العالم، ما مهد لوضع أسس حقيقية لدولة فلسطينية مستقلة.

من أراد إلحاق الهزيمة بإسرائيل، فعليه أن يراكم الانتصارات الدبلوماسية والسياسية. يُلاحظ الغضب الإسرائيلي الكبير حين تعترف دولة أجنبية بالدولة الفلسطينية، أو تعلن نيتها الاعتراف بها، كما حصل مع فرنسا وكندا وأستراليا وأيرلندا والبرتغال، ودول أخرى تسعى لإحقاق الحق الفلسطيني بعد الصور المفجعة من قطاع غزة وعدوانية المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة.

أثبتت الأعوام الماضية، بما شهدته من مجازر متتالية واستفراد بالشعب الفلسطيني واغتصاب حياته وأحلامه وأرضه، صوابية النهج الذي تبنته منظمة التحرير الفلسطينية بعد الانتفاضة الثانية، والمعنون بإسقاط خيار النضال المسلح والبحث عن خيارات بديلة. فما أوسع وسائل النضال، وما أضيق درب الكفاح المسلح!

في هذا الزمن الذي تضطرب فيه المعايير يتحدث بعض الساسة والمثقفين بطريقة تضليلية عن "الانتصار الكبير" للمقاومة الفلسطينية واللبنانية والحوثية، ويترحمون على نظام "الكبتاغون" في سوريا، معتبرين أن سقوطه خسارة لركن من أركان المقاومة العربية ضد إسرائيل. لكن هجوم السابع من أكتوبر كان اختراعا إيرانيا لتوريط الفلسطينيين، لتكسب طهران موطئ قدم بجوار إسرائيل. العمائم في طهران، بدهاء، أشعلوا الحرب دون تقديم سلاح كفيل بقلب موازين القوى، وخير مثال المسيّرة التي وصلت إلى منزل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في نهاريا.

بسبب شعار "وحدة الساحات" الذي أطلقته إيران ومخالبها في المنطقة، تسيدت إسرائيل الشرق الأوسط عسكريا، وصارت شرطي المنطقة الجديد، بعدما هزمت ساحات في فلسطين ولبنان واليمن وإيران، وقامت بمهام كانت تقوم بها الولايات المتحدة أو حلف الناتو، مثل استهداف الحوثيين وأسيادهم في طهران. هذا عزز العلاقة مع الغرب، وأثبت ضرورة تعزيز قوة إسرائيل كحربة متقدمة له في الشرق الأوسط.

ارتطمت حماس وأخواتها بأرض الواقع، وسقطت أفكارها من أعلى الشجرة. اليوم، هي عالقة في منتصف الجسر، فلا تستطيع العودة إلى العنف الثوري بسبب خسارتها العسكرية، التي تدلل عليها إعادة احتلال قطاع غزة من قوات الاحتلال الإسرائيلي بعد تحريره عام 2005، ولا تستطيع الاعتراف بفشل وسائلها، أو الاعتذار عنها، أو اللحاق بركب منظمة التحرير التي لن تنتظر طويلاً صحوتها المتأخرة من غيبوبتها الطويلة.

تأسيسا على ما سبق، لا طريق أمام الفصائل الفلسطينية المتبنية للوسائل العسكرية سوى العودة الطوعية إلى نهج منظمة التحرير السلمي، وتسليم زمام الحكم للقيادة الفلسطينية الشرعية، ومساندتها، بدلاً من مهاجمتها وتخوينها كما فعلت حماس منذ تأسيسها.

-------------

* كاتب عراقي

عن صحيفة "العرب"