خلف الكاميرا.. كواليس معركة البقاء والبؤس في حرب الإبادة بغزة
د. تحسين الأَسطل

ما زالت غزة تتصدر عناوين الأخبار اليومية منذ السابع من أكتوبر 2023، نتيجة حرب الإبادة التي يشنّها جيش الاحتلال الإسرائيلي، وسط عملية تضليل إعلامي ممنهجة لأكبر جريمة إبادة جماعية تُرتكب بحق الإنسانية، تحت يافطة "معارك ضارية" يزعم جيش الاحتلال أنه يخوضها، في محاولة لإقناع العالم والمجتمع الإسرائيلي المضلل بهذه الحرب، التي تُنفذ لتحقيق أهداف الإبادة، والتطهير العرقي، والتهجير القسري للمدنيين الأبرياء؛ أولئك الذين هُجّر آباؤهم وأجدادهم، ويُعاد تهجيرهم اليوم من جديد.
في هذه الحرب التي تستهدف الإنسان ووجوده، والتي تقترب من شهرها الثاني والعشرين، سقط ما يقرب من 70 ألف شهيد، أغلبهم من الأطفال والنساء وكبار السن، إضافة إلى مئات الآلاف من الجرحى والمعاقين والمشردين، ومثلهم من البيوت التي سُحقت تحت جنازير الدبابات والجرافات والحفارات، أو بفعل القصف المتواصل بعشرات آلاف القذائف الذكية والغبية، في جريمة باتت أركانها مكشوفة، تهدف إلى تهجير من تبقّى على قيد الحياة خارج القطاع، تحت ذريعة "البحث عن الأمن" لدولة الاحتلال، وفي ظل خطاب يميني عنصري إسرائيلي يصرّ على أن "العربي الجيد هو العربي الميت"، وأن الفلسطيني لا يمكن التعايش معه على هذه الأرض، وهو ما بات واقعا ويتم تنفيذه وسط صمت العالم ومجلس الامن.
غزة، التي تواجه خطر الفناء والإبادة الجماعية، تُستهدف فيها أرواح الأبرياء، الذين باتوا رهائن داخلها، يُستخدم دمهم وجوعهم ومرضهم وأطفالهم ومعاناتهم ومستقبلهم كسلاح فعّال في هذه الحرب القاسية والمدمرة.
وفي قلب هذه المحرقة المروّعة، وفي ظل غياب المسؤوليات وهروبها، تغيب سلطة الأمر الواقع التي شكّلتها حماس بعد سيطرتها المنفردة على غزة عام 2007م، ولم يبقَ منها إلا الألقاب والمسميات السلطوية والحزبية، التي اختفت وسط زحام الإبادة، وتنتظر توقّفها لتعود وتفرض سيطرتها مجددًا، متوهمة أنها ستجد شيئًا لتحكمه، غافلة عن أن المعادلة تغيّرت، اضافة الى ان الناس تغيّروا على أرض غزة.
في غزة، خلف الكواليس، وخلف الكاميرات التي تم تغييبها عمدًا منذ اليوم الأول، تُدار حرب الإبادة ضد شعب أعزل، بات واضحًا أن المطلوب هو رأسه، ووجوده، وإمكانات بقائه، وإيمانه بالقضية التي لطالما ناضل وضحّى من أجلها. هذا الشعب هو الهدف الأول والرئيس، ويتعرّض لإبادة يومية، انعكست في سلوكيات غير مألوفة، تهدد النسيج الاجتماعي، وتتطلب تدخلًا عاجلًا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
في غزة، نُهبت البيوت، وتحولت ممتلكات الناس وملابسهم إلى سلع تُباع في الطرقات، وكُسر أثاث المنازل وبِيعت حطبًا للطهي، في ظل منع الاحتلال دخول المحروقات.
في غزة، لم يعد الشارع ملكًا لأهله، بل صار يُدار بأيدي من يتحكمون في المال، ويقرّرون ما يُقبل وما يُرفض من العملة الورقية، التي فقدت قيمتها الشرائية تماما، بينما يفرض هؤلاء شروطهم الخاصة، بعيدًا عن منطق الاقتصاد أو الإنسانية.
في غزة، ارتفعت الأسعار إلى مستويات خيالية، شملت كل شيء دون استثناء، حتى أصبحت الحاجات الأساسية ترفًا لا يقدر عليه إلا قلّة من أصحاب امتيازات الحرب، أولئك الذين يردّدون باستخفاف: "الموجود رخيص". لم يشعروا بالأزمة الحقيقية إلا مؤخرًا، بعد إغلاق المعابر بالكامل، حين باتت المجاعة أمرًا واقعًا.
في غزة، تُنهب المساعدات التي يُفترض بها أن تخفف عن الناس، وتُعرض للبيع أمام أعين المحتاجين، دون خجل أو وازع من ضمير، أو تدخل من أي حكومة، أو حتى رجولة ذهبت مع غبار الحرب.
في غزة، ما زال البعض، المحسوب علينا خارج الوطن، يردّد أنه "ماضٍ حتى التحرير الكامل"، ولا أفهم كيف سيحرر الوطن من لا يستطيع تحرير بسطة تستغل الضعفاء، وتستنزف أمهاتنا وآباءنا وأخواتنا؟
وختامًا، لا أعرف ما قيمة المقاومة إذا كانت تسمح بانهيار القيم، وتُسهم في هدم ما تبقى من كرامة الشعب؟ وأي تحرير يُقام على أنقاض الأخلاق، وركام البيوت، ووجع الناس؟ للأسف، لقد فقدنا الكثير، وربما فقدنا الطريق.
هذه هي الحقيقة. من اقتنع فله ذلك، ومن لم يقتنع، فليتأمل في أقرب بسطة إليه، ليدرك أنه لم يعد يملك شيئًا من هذا الوطن؛ خاصة عندما يتيقن أن كل ما فيها مسروق، وأنه جاء "مساعدة له"، لكنه يُجبر على شرائه للبقاء حيًا.
في غزة، قد تعرف البائع، وقد يكون قريبك أو ابن حارتك، لكن أخلاقه غريبة عنك، ولهجته وطريقة بيعه أغرب. لا يرى سوى النقود، ويفحصها ليقرّر إن كانت تليق بمواصفات "حكام غزة" اليوم، الذين يتحكمون في كل شيء، ويملكون سلطة إلغاء العملة، وتحديد نسبة العمولة على توفير "الكاش"، في نظام مالي يتبرأ منه الجميع، لكنه ينهش يوميًا مئات الضحايا الأبرياء، ويزرع فيهم أخلاقًا وسلوكيات جديدة، ستنعكس سلبًا على المجتمع، ليصبح الناس غير أولئك الذين كنا نعرفهم... قبل السابع من أكتوبر.
مواضيع ذات صلة
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!
المستوطنة المجاورة: جيرة قسرية