عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 27 تموز 2025

زياد الرحباني حول الضمير والصدق إلى موسيقى

باسم برهوم

 

فكرت بطريقة اختصر فيها وصفا للفنان اللبناني المبدع زياد الرحباني، الذي رحل عنا قبل ايام، فنان متعدد المواهب عملاق بحجم زياد كيف يمكن ان تقدم له وصفا بكلمات قليلة، هذه مسألة تحتاج إلى معرفة عميقة بالتجربة الحياتية والإنسانية والفنية لهذا المتمرد على كل التقاليد. وانا ببساطة لا يمكنني أن أدعي اني امتلك هذه المعرفة، ومع ذلك وما اعرف عن زياد أطلقت عليه " الروح النقية "، لانه بالفعل بقي يتصرف بنقاء طوال حياته إلى درجة كانت يستفز بنقائه كل الانتهازيين والوصوليين والفاسدين في حقل الفن كما في حقل السياسة. يمكن ان أدعي اني تقاسمت مع زياد الرحباني ازمانا وتجارب متشابهة ومتجاورة في المكان. عندما كنت وكان هو في بيروت الغربية في زمن الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية في السنوات الاخيرة من سبعينيات ومطلع ثماننيات القرن العشرين. عندما كان التمرد صفة لروح البشر، روح الثورة في عروق الشابات والشباب، المثقف، الفنان، الشاعر، الرسام، المسرحي، بين كل هؤلاء كان زياد الرحباني لامعا يعطي الرواية بعدها النقي والمفعم بالحيوية والحياة في صلب الثورة.

ما ميز زياد انه لم يكن مجرد ثوري ومتمرد عابث. بل كان منحازا في كل مراحل حياته للطبقات الفقيرة والمهمشة، منحاز للعدالة الاجتماعية للإنسان البسيط. كان عاشقا للحرية، يكره القيود على مختلف اشكالها، حتى تلك التي ورثها من عائلته الموسيقية العبقرية. منصور وعاصي الرحباني وأمه فيروز أيقونة الغناء العربي الراقي. حلق في الفضاء الوسع حرا يعيد تركيب أصوات الطبيعة بشكل يحفز كل ما فينا من أحاسيس ومشاعر ورغبة في إجراء حوارات جريئة مع أنفسنا ومع الآخرين، حوارات تخرجنا من الروتين والبلادة إلى الحركة الحرة والفكر الحر.

زياد كما هو في الموسيقى واللحن والغناء والمسرح، كان ناقد ساخرا لاذعا لكل ما هو عدو لإنسانية الإنسان، ولانه يؤمن بالثورة المستمرة واصل التحرك يلاحق الظلم والظالمين دون ان يلجأ لاستخدام العنف ولا يرغب ابدا في العنف. لان الموسيقى والكلمة أقوى من الرصاصة. وعندما لحن الاغاني لفيروز أعطى لصوتها العذب نبرة قوية، نبرة تمرد دون ان تفقد هويتها التي تعلق بها كل من أحب الطبيعة بأصواتها وألوانها وصفائها، بسهولها وجبالها، وانهارها وبحارها، كل المحبين للحياة البسيطة.

كان زياد يحلق كطير حر مع نغماته. وكما كان ينظر للبنان وطنه الصغير كان ينظر إلى فلسطين. الذي اعتبر ان حريتها معيار لحرية البشرية،  وان حريته لن تكتمل اذا لم تكن فلسطين حرة، ويربط بين تمرده المستمر مع لحظة حرية فلسطين. وكأنها الامتداد الطبيعي لوطنه لشعبه. رسم زياد لنفسه هوية الفنان والمثقف الثوري الملتزم وبقي متمسكا بها يطورها ويصقلها على طريقته الفريدة والمتفردة، حاد الذكاء، سريع البديهة، صاحب حس مرهف، عاشق للتغيير ولا يبقى في الموقع نفسه ابدا.

 رحل زياد الرحباني وترك فينا غصة قوية، لأننا كنا نشعر انه يمثل روحنا النقية. ضميرنا. رغبتنا الخفية بالتمرد. والغصة تتعمق لان زياد رحل دون ان يرى نتائج تمرده وثورته على الظلم، لكنه ترك لنا كلمة السر ان نتوارث روح الثورة ضد الظلم، فالصراع مستمر ولن يتوقف. وعزاؤنا هو اننا الجيل الذي عاش تجربة زياد الرحباني. عاش في زمن فيروز والمدرسة الرحبانية.. وداعا زياد وداعا لزمن جميل تشاركنا وتقاسمنا بعضا من لحظاته، واكتفينا ببساطة الحياة والحب انتهت الحياة بزياد وهو يغني:

 بلا ولا شي

 بحبك بلا ولا شي...

ولا فيه بها الحب مصاري

لا ممكن فيه ليرات

ولا ممكن فيه أراضي

ولا فيه مجوهرات

تعي نقعد بالفي

مو لا حدا هل الفي

حبيني وفكري شوي

بقي زياد وفيًّا لإنسانيته، محبا للحرية بلا حدود، مقاوما شرسا للظلم، روح نقية وهي بواعث إبداعه الفريد.