عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 14 تموز 2025

"العقل الماسي" لكسر "قواقع الفئوية"

سؤال عالماشي- موفق مطر

لو بحثنا عن أسباب الصراعات الداخلية في المجتمعات العربية، القافزة للواجهة بين الحين والآخر، وتحديدا في المنعطفات الحاسمة، التي تتطلب اعلى درجات الوعي والإدراك لمعنى وحدة الوطن والمصير المشترك، لوجدنا غلبة وطغيان المفاهيم الطائفية، والمذهبية، والقبلية العشائرية، والعائلية، على تعاليم ومبادئ التحرر، والحرية والعدل والمساواة، والتقدم والاستقلال الاقتصادي، ما يعني بقاء أدبيات الانتماء الوطني في قوقعة الكتب المدرسية، والخطاب المنمق لفظيا، والأجوف لعزف النغمات المناسبة، لإرضاء مزاج، وقيادة انفعالات جمهور بعينه ! ولتسكين محيطه، وتمكين الخطيب المنبري المتفوه من السير على حبلين، الى حين بلوغه الهدف على (الفئوي )، فيسارع  فورا لقطع الوطني، أو القطع معه مع ابقائه موصولاً، لضرورات المناورة، حتى لحظة ربط  المشروع الفئوي مع مشاريع وأجندات خارجية قديمة لكنها محدثة بأنماط لغوية جديدة، ولا يخفى على دارس او قارئ أو تلميذ حقيقة اصولها وتصاميمها الاستعمارية، التي بقيت كالجمر تحت الرماد لعقود، وحتى لا نكون كمن يعلق المشاكل والقضايا كافة على شماعة الدول الاستعمارية، علينا الاقرار بأن المشاكل كامنة أساساً، في تركيب ومكونات الشخصية الفردية والجمعية، ومحورها جميعا المفاهيم والتعاليم الفئوية، التي بقيت في القاع، ولم يتم التحرر منها، والاتجاه لتبني ثقافة انسانية، عمادها الأخلاق، والعمل بإبداع، بما تقتضيه العقلية الوطنية، ورغم ذلك فإن هذه المفاهيم البائدة بمعيار الزمن التي تسمى ظلما ( ثقافة )، ورغم عجزها عن التقدم  نحو دوائر الأفكار والعلوم الانسانية، إلا إنها مازالت سائدة، لم يمنعها التواصل التقني والجغرافي من التأصل اكثر، والتحكم بتلافيف أدمغة الطامعين بتصيد أي فرصة،  للفوز بعرش سلطة ما، وتحت أي شعار، وبأي ثمن حتى لو كان الوطن !.أما المشكلة الأكبر فتكمن بأن الشخصية الفئوية هذه، غالبية عظمى، شئنا أم ابينا، لا تعرف شيئا عما يسمى العقل التجريبي، ولا تدرس ولا تبحث علميا في تجاربها، لمعرفة مكامن الخلل، كما ولأنها مصابة بمرض تضخم الذات، لم تعد قادرة على استنتاج أي خلاصة، أو عبرة، وتتعامل مع تجارب جيرانها، وكأنها حادثة في مجرة أخرى !..حتى إذا حاول احدهم أخذ  تجارب الشعوب البعيدة والقريبة مثلاً، فإنه سرعان ما يسقط في امتحان البحث العلمي وقراءة الواقع والوقائع، والمقارنة الدقيقة من حيث المكان والزمان، رغم تقديم نفسه للرأي العام بمرتبة اكاديمية عليا ( دكتور ) وباحث في مسمى استراتيجي ما، او باعتباره الرقم واحد في حزبه أو جماعته !.. فيذهب الى غياهب التاريخ، ويجلب منها ما شاءت رغباته الشخصية – رغم الشكوك حولها – ليجلد بها سمع وبصر وأحاسيس جمهور انفعالي، مهووس بنبش أحداث،  يقال انها تاريخية، وبمن يزيل الغبار عنها ويرممها، ويجملها، بقصد ترميم وتجميل صورته الشخصية أصلا، أو واقع جماعته وفئته، التي تعتبر مندثرة، وفقا لمعايير وموازين الأمم  والشعوب المتقدمة والحضارية الغنية بالقيم الانسانية، والأمثلة عليها كثيرة، وبتركيز البحث، فإن الشعوب المتقدمة التي تحيا برفاهية الاستقلال الاقتصادي، وببنية اجتماعية محكومة بنظم قانونية مستلهمة من جوهر القيم الأخلاقية، والدول التي تتمتع باحترام لدى نظرائها في العالم، وتحظى بنظام ومناهج تعليم وتربية، ونظم سياسية، واجتماعية، وثقافة انسانية، تتيح لعقل الانسان فرص السيادة على عقله وعمله، وتحكيم ضميره لمراقبة سلوكه وأفعاله، وبذات الوقت تفجير طاقة الإبداع لديه في مجال ما، من اجل اثبات وجوده، ذلك أن هذه الثقافة التي تأسس عليها، قد أتته بقناعة وإيمان، أن  مستقبله ومصيره مرتبط  بمستقبل ومصير وطنه، وإنه ليس أكثر من لبنة هامة في بناء مجتمع متكامل، عماده الانسان الحر، القادر على الارتكاز على قاعدة توازن دائمة وثابتة بلا حدود، مابين معتقداته وأفكاره الشخصية، وبين افكار ومعتقدات الآخرين، فالتنوع لدى الشعوب على قاعدة الانسجام والتفاعل بسلام  سمة (ماسية) – ونقصد بها المتانة والإشعاع  - أما التكوم في ( قواقع )، فإنها الوصفة السحرية لسحقها بضربات نوعية.