عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 13 تموز 2025

عائد إلى حيفا

تغريدة الصباح- حسن حميد

حاولت طوال حياتي، وقد أدركتني الشيخوخة، أن أرد دين كل يد امتدت نحوي لتساعدني، وكل قولة هدتني إلى طريق تشبه طرق الأنهار عميمة النعمة والحضور والقرى والظلال، وكل من مدني بكتاب مهم غني، أو أشار إليه في حديث عجول أو مقالة أو سيرة، وكل من قدّر كتابتي، فصوّب أغلاطها وهداني إليها، وكل من رآني احترق بظروف الحياة الصعبة التي عشتها، مثلما عاشها أهلي ، طي الأسئلة الشيطانية التي كانت، وما زالت، الأجوبة الحقيقية عنها متوارية في صناديقها السود المقفلة.

نعم، كل من عرفتهم، وهم كثيرون، عرباً وأجانب، حاولت أن أرد ديونهم علي التي وصفتها بالشخصية، وبالتمام والكمال، لقد عرفت الكاتب السوفييتي آنذاك جنكيز أيتماتوف (1928-2008)، وأنا في مطالع حياتي الأدبية، في مدينة موسكو، يوم كنت برفقة الشاعر  الكبير سليمان العيسى، تلبثنا معا في موسكو ريثما نذهب إلى مدينة نيودلهي الهندية لحضور فعاليات مؤتمر آسيا وإفريقيا للكتاب، التقيته، أعني جنكيز أيتماتوف، في الصباح، على مائدة الإفطار، في مطعم اتحاد الكتاب السوفييت، كان صاحب هيبة ووهرة، أنيق في كل شيء، الهندام، والحديث، والالتفات، والاهتمام، قلت له: لقد أحببت (وداعاً يا غولساري)، و(جميلة)، وأحببت روح السرد التي أعلت من قيمة الحياة الريفية، حين نثرت جمان البساطة، واللطف، والرقة، واستبطنت دواخل الشخصية الريفية المفطورة على تجسيد معاني الخير والمحبة والجمالوالإخلاص. كان يستمع بانتباه شديد لشاب تندفع كلماته مثل هدرة نهر له صولة، وقال: يسرني كثيراً  أنّ الجيل الجديد يقرأ لنا نحن من وصفنا النقّاد بالتقليديين، قلت له: أنت بكتاباتك تشكّل قفل حلقة الكتابة الواقعية الروسية المدهشة، فابتسم، وقلت له أيضاً: الآن هي مناسبة ومصادفة في آن، أن أشكرك لأنكعلمتني : أن البساطة هي الجمال.

والتقيت بالكاتب التركي عزيز نيسين (1915-1995) فرحاً، ومدهوشا، ومازلت على دهشتي حتى الآن، من أنّ كل هذا الأدب الذي كتبه نيسين، وهو متنوع ومدهش، يخرج من ذات ما زالت تتحلى بصفات الطفولة، من الطيبة إلى العفوية والتواضع، حتى جسمه كان جسم طفل شاخ قليلاً، قلت له هذه فرصة لأقول لك أنك جعلت أهمية الكتابة قرينة بمواقفها من الحياة، وقد أجريت معه حواراً طويلاً كي أعرف الكاتب الذي يريد أن يبني مملكة للسحر والبهجة وقولات الحق، وكان ذلك رد دين له لأنه وجهني وهداني إلى أهمية الكاتب الذي يطير بجناحي الموقف والجمال في كتابته.

والتقيت بالكاتب الفرنسي آلان روب غرييه (1922-2008) الذي يشبه عزيز نيسين، في تكوينه الجسماني، وعمره المديد، وكثرة كتاباته، وشواغله الأدبية والفنية، وقلت له عبر حوار استمر لساعات خلال أيام ثلاثة، أنك مظلوم، لأنك أسست للرواية الحديثة، وحددت مرتكزاتها عبر ما يسمى التداعي الحر أو تيار الوعي، ففاز بجائزة نوبل مكافأة لهذا الاتجاه من كانوا صحبك، ولم تنلها أنت المعلم ،قال: ليس هذا مهماً، المهم أن تنال الاتجاهات الجديدة المطورة الرضا والثناء، قلت له، ومن حيّدك، وأبعدك عن جائزة نوبل، وكل من كانوا حولك من الأدباء، أشاروا إليك بوصفك مبدع هذا الاتجاه في الكتابة الروائية، وبوصفك من نبه العالم أن الإنسان، في زمن سطوة السوق، صار شيئاً، وشرحت ما قصدته (بالشيئية)، قال: أبعدني عن نوبل، وبقوة وحشية، أولئك الذين لم يرضوا عن آرائي السياسية، وأنا أحب العدل، وأكره الظلم، ورأيت وصرخت بصوت عال: الفلسطينيون مظلومون، وما حدث لهم كارثة قام بها وساندها من بقي في نفوسهم شيء من التوحش والعنصرية، حواري مع غرييه كان رد دين له، لأنه عرفني بمصير الإنسان، ذكراً كان أم أنثى، حين يصبح سلعة أو شيئاً.

وكذلك كانت هي حالي  حين التقيت بجبرا إبراهيم جبرا، ويوسف ادريس، وإبراهيم الكوني، ومحمد علي طه، ومحمود درويش، وسميح القاسم، وخليل السواحري، ورشاد أبو شاور، ومحمود شقير، وحنا مينة، وكوليت خوري.. لقد قلت لهم: شكراً كبيرة لأنهم أساتذتي، وقد علموني الكثير، وكانوا أعمدة ضوء، ملأى بالنور، بهم دخلت غاب الأدب، فهم، وعبر سيرهم، كانوا سبب جرأتي وجسارتي لأكتب ما كتبت.

الوحيد الذي لم أستطع رد دينه هو الشهيد غسان كنفاني (1936-1972) الذي علمني كيف تكون الحياة قضية، والأدب رسالةوطريقاً، والجمال صيغة عيش، وعلمني كيف أنحي الكلام الثقيلوالنبر، والخطابية جانباً لأنها أثواب خشنة لا يطيقها الإبداع.

لقد وقفت أمام قبر غسان كنفاني، وبكيت! لا لفقده فقط، بل لأنني لم أره، ولم أصافحه، ولم أسمع صوته، ولم أعترف أمامه بأنه أحد أساتذتي الكبار! واعتذرت منه، ودمعي يغسل وجهي، بأنه مثل تشيخوف، وبوشكين، وشكسبير، وطاغور، ودينو بوتراتي، وبلزاك.. وقد أحببتهم ولم أستطع أن أرد ديونهم أيضاً!

اليوم، أتذكر غسان كنفاني، وأحسبه قربي، وهو في العقد التاسع من عمره، بشعر فضي يضيء، وعكازة لونها عسلي، وقميص أبيض بقبة منشاة ساحرة، وحذاء رياضي.. أماشيه في حارة من حارات حيفا، وهو يقول لي توكيدا: أرأيت، لقد قلتها منذ وقت صار بعيداً: عائد إلى حيفا!

[email protected]