غزة بين إسرائيل وحماس.. رعب وبؤس وجوع ودم
باسم برهوم

ليس بمقدور المواطن في قطاع غزة حتى أن يتساءل أو حتى أن يهمس بينه وبين نفسه عن مصيره، لأن الموت يلاحقه في كل ثانية، هو يفكر فقط بلحظته، بالنجاة من هذه الضربة والتي بعدها وبعدها، من الغارة. النجاة هي ما تستحوذ على كل فكره وذكائه ومهاراته، وما إن ينجُ حتى يفكر بالمقرّبين منه ويتفقدهم إنْ نجوا هم أيضًا أو أنه فقد أحدهم، وما إن ينتهي يبدأ بالتفكير بأكله، لقمة طعام تقي جوعه، ورشفة ماء تخفف من عطشه.
المواطن في غزة يلعن كل صباح ومساء طرفين، بالطبع إسرائيل التي تقوم بقتله وإبادته، هي الوحش الذي ينهش بجسده، بجسد أطفاله، المسؤولة عن دَماره وتشرده، ويلعن حماس لأنها تسببت بهذه الكارثة، لأنها عندما قامت بطوفان السابع من أكتوبر لم تفكر به ولا بحمايته ولا بتأمين احتياجاته. وهي التي لا تزال تستخدم دمه وعذابه وبؤسه وتماطل في إنهاء الحرب كي تنقذ مستقبلها السياسي.
بسبب قسوة حرب الإبادة الجماعية ووحشيتها، توارت الحقيقة بين الدمار، حقيقة أن قطاع غزة قد تم تحريره على مراحل، وكان في عام 2005 بلا جيش احتلال ولا استيطان ومستوطنين، كان في غزة مطار، والعمل جارٍ لبناء ميناء. وكان غاز شواطئ غزة على وشك الاستخراج، وإن حصل ذلك لتغيرت حياة الفلسطينيين كثيرًا، ولأصبحوا أقرب لفكرة الدولة القابلة للحياة. قسوة حرب الإبادة أوقفت النقاش عن انقلاب حماس 2007، والذي أوصل قطاع غزة إلى هذه النتيجة المأساوية، إلى نكبة مرعبة، لا نزال نجهل كيف سيكون فصلها الأخير.
ما يفكر به المواطن الغزّاوي هو خلاصه، إنهاء الحرب. أن ينام ليلة بهدوء، حتى لو كان على جانب الطريق، أو في بقايا خيمة، أن ينام بلا أصوات انفجارات، وأصوات الطائرات و"الزنانات"، بلا خوف ولا قلق على حياته وحياة من يحبهم.
يفكر المواطن بالوصول إلى هذه اللحظة، وهو يعلم أنه عالق بين حكومة يمينية متطرفة في إسرائيل، وبين أنانية حماس وعقيدتها الإخوانية التي لا تُقيم وزنًا إلا للجماعة ومصالحها، حماس لا تفكر سوى بخلاصها هي. وما دام هو عالقًا بين نتنياهو وحماس فإن وجوده على أرضه مهدد، وأن التهجير وأخواته لا يزال قائمًا، المواطن في غزة يطمح أن تنتهي الحرب وهو لا يزال في غزة، وما دام هو هناك فإنه سينهض من جديد ويعيد إعمار ما تدمّر ويرمّم حياته. بدون إسرائيل وحماس.
وبغض النظر عن عدم اكتراث حماس للمواطن الغزّي، وعن أنانيتها وبؤس حساباتها وارتباطها بأجندات خارجية، فإن حكومة نتنياهو وجيشها هم من يتحملون المسؤولية عن جرائم الحرب وحرب الإبادة الجماعية، هم المسؤولون عن التهديد المصيري لحياة الفلسطيني، ليس للمواطنين في قطاع غزة فحسب، بل في كل مكان، في الضفة. وإسرائيل هي من قامت بأبشع عملية تطهير عرقي للشعب الفلسطيني في نكبة العام 1948.
ما يلمسه الغزاويون أن ورطتهم هي ذاتها ورطة الشعب الفلسطيني منذ ان تقاطعت مصالح اليمين الصهيوني مع مصالح حماس الإخوانية، وهذا التقاطع هو من دمّر فرص السلام، وأوصلنا إلى هذه الأشهر الكارثية، مئات آلاف الشهداء والجرحى، دمار شامل في قطاع غزة، وحصار واستنزاف ودمار ونزوح في الضفة، وحصار مالي على السلطة الوطنية الفلسطينية. والخطير في كل ذلك أن المستقبل، مستقبل القضية الفلسطينية، على المحك.
في ظل هذا الواقع الصعب نحن بحاجة إلى تعزيز تكاتفنا بعضنا مع بعض، التضامن والوحدة، وأن نتخلص من ثقافة الانقسام اللعينة التي طالما هيمنت على حركتنا الوطنية الفلسطينية، ولم نستطع التغلب عليها في كل المراحل. هناك حاجة أن نعيد لحياتنا الممارسة الديمقراطية، لأنها هي الحل، وأن نبني مؤسساتنا أيضًا على أُسس ديمقراطية.
البداية أن نضع لأنفسنا دستورًا يتيح بناء مثل هذه المؤسسات، أن يُحدد هوية دولتنا بوضوح، أن يكون لدينا قانون أحزاب يؤمن بالتعددية السياسية والفكرية، ويمنع أن يخطف أي طرف قرار الشعب الفلسطيني لمصالحه الفئوية الضيقة، قانون أحزاب ينسجم مع هويتنا الوطنية الفلسطينية، وأن لا تكون أحزابنا جزءًا من أجندات خارجية، أو أن تتلقى الأموال من الخارج. أن نعيش في ظل قانون واحد، وسلاح واحد، وحكومة واحدة.
تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994 أتاح لنا فرصة القيام بذلك. صحيح أن ظروفنا الموضوعية كانت صعبة، ولكن كنا متساهلين مع غياب الديمقراطية، التي هي ضرورية لصحة حياتنا السياسية وحياة المجتمع ككل. ومن يعتقد أن الخلاص من الاحتلال الإسرائيلي يمكن أن يتم بدون امتلاكنا لمثل هذه المؤسسات، إنما يريد للشعب الفلسطيني أن يواصل العيش حالة النزف العقيمة والعدمية.
مواضيع ذات صلة
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!
المستوطنة المجاورة: جيرة قسرية