عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 10 حزيران 2025

هي معركة وجود

تغريدة الصباح - محمد علي طه

نخوض منذ العام 1948 معركة البقاء في وطننا الجميل الذي لا وطن لنا سواه، وما زالت ندوب فترة الحكم العسكري على جلودنا تروي ملحمة كتبها هوميروس الفلسطيني، شاهدنا بعيوننا السمراء هدم المئات من قرانا ومحوها عن الخريطة من الفالوجة حتى الخالصة فذرفنا الدموع حتى جفت مآقينا ولم نترك سوى جدول لنرثي به اغتيالهم مجتمعنا المدني في عروس البحر يافا، وفي صفد التي نامت الغيوم على كتفيها، وفي بيسان التي تضمخ عبير بياراتها في رئتي ملاك هبط من السماء على الأرض.

حاول الطغاة اقتلاعنا من الجليل ومرج ابن عامر وجبال الروحة ورمال النقب فسخر الصبار والزيتون منهم، وهدلت حمامات الدار "على صدوركم باقون"، وروى الدوري للأجيال جيلا بعد جيل ميراث الجد للابن فالحفيد، تجربة الصمود وأسطورة حرف الضاد المنغرس في الأرض.

ما جئنا على ظهر بابور من بلاد الثلوج والضباب إلى شاطئ الزيب وأنف الكرمل وعيون الجداول التي تسقي حقولنا وكرومنا وتروي تين البصة وكروم الساحل ونخيل رفح.

شتي يا دنيا وزيدي. بنى أجدادنا بيوتنا بحجارة الصوان من صخور الجرمق وحطين وعيبال وجرزيم وقدس أقداسنا ثم نجر النجار باب دارنا من سنديان الجليل. ألا تفهم يا أبا صابر؟ نحن الوطن. والوطن نحن. هذا ما تقوله الكواشين التي كتبتها أمنا عنات بعرقها وحفظها أبونا كنعان في جيب قمبازه فيما كانا يرقصان الدبكة الشمالية ويغنيان المواويل والعتابا فيتردد الصدى في وادي القرن ووادي القلط ووادي غزة "والله لازرعلك بستان ورود".

نخوض معركة الوجود منذ السابع من أكتوبر. إما نكون وإما نكون. هي معركة وجود يا أهلي ويا أولادي ويا أحفادي ولن نهاجر. قسما بالفجر وليال عشر لن نهاجر. وطننا ليس حقيبة. هنا باقون. ليشرب هذا الذئب النائب في البرلمان الإسرائيلي ماء البحر الميت، هذا الذئب الذي يرى العرب فريقين، الفريق الأول يجب إعدامه والفريق الثاني يجب طرده. أقول له: يا أيها النائب الغبي، أنا عربي فلسطيني يساري، يكره الحروب ويحب الحياة والناس، ففي أي فريق تراني يا أيها العنصري؟ نحن نعرف كيف نقلع أنياب الذئاب وأسنان الضباع كما نعرف كيف نزرع حبة القمح التي تملأ البيادر سنابل. إما نكون في هذا الوطن الجميل وإما نكون إلى الأبد.

لا تعرف أغصان الزيتون ونوار اللوز وحجارة الوادي وتراب المرج وعصافير الجليل وحساسين الكرمل وحجل النقب وعبير البيارات وأشعة شمس الصباح ونور القمر ونسيم البر ونسيم البحر، لا تعرف، لا تعرف سوى أنامل راحة أمي وابتسامتها ورائحة خبزها وطعم قهوتها وزغرودتها ودموعها وصدرها وحليبها.

نحن نخوض معركة وجود. وجودنا. وليس لنا إلا الوحدة، ولا بد من أن ننتصر. هذا وطننا وترابنا وصخرنا وماؤنا وهواؤنا وبقاؤنا ووجودنا.

نحن ندرك ما يخططه المدعو سموتريتش وزمرته، وما يسعى إليه بن غفير وشلته، وما يحلم به نتنياهو وليكوده.

ونحن نحب الحياة والأزهار والندى وخبز القمح والزعتر.

دخل العنصريون والكهانيون والترانسفيريون إلى باحات بلداتنا وحلق قانون القومية في فضائنا فهتفت أغصان الزيتون: ليس لكم إلا الوحدة. وحدة الهدف ووحدة الصف. اتحدوا اتحدوا كي لا تفترسكم الذئاب.

هي معركة وجود يا شبان شعبنا وصباياه ورجاله ونساؤه وشيوخه وأطفاله.

أجل.. هي معركة وجود!