أربعة أسئلة كبرى تحدد إجابتها فرص الوصول إلى اتفاق تهدئة في غزة؟
د. رمزي عودة

لم ننجح كمحللين سياسيين في توقع نهاية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة برغم أننا أدركنا مبكراً منذ هجوم السابع من أكتوبر بأن حماس وفرت الفرصة الذهبية لإسرائيل بأن تدمر المشروع الوطني الفلسطيني من خلال القضاء على حل الدولتين وإبادة غزة. وبين طول مدة هذا العدوان كنا نغوص تارةً في بحر الأمل للوصول إلى اتفاق عقب كل جولة مفاوضات، وتارةً أخرى كان التشاؤم هو سيد الموقف. وبين هاتين الحالتين لأكثر من عام ونصف العام يباد الشعب الفلسطيني في القطاع وترتكب بحقه أقصى أنواع التنكيل وجرائم الحرب دون أن ينجح التنظيم الدولي بوقف مسلس الإبادة.
في الواقع، هنالك أسئلة كبرى علينا أن نجيب عليها من أجل فهم صيرورة الأحداث في قطاع غزة، وهل تتجه هذه الصيرورة إلى الاستمرار وربما التصعيد أو إلى الوصول إلى اتفاقات تهدئة وربما اتفاق وقف الحرب بشكل مطلق؟ وهذه الأًسئلة هي:
أولا: لماذا لم تنجح إسرائيل وهي من أكبر القوى في الشرق الأوسط بتحقيق جميع أهدافها في حرب غزة في فترة قصيرة؟
في الواقع، ليس هدف إسرائيل الحقيقي من استمرار العدوان هو الإفراج عن الأسرى أو تدمير قوة حماس وإنهائها، وإنما يكمن الهدف الحقيقي لهذه الحرب فيما يمكن تسميته خطة "دال الجديدة" وهي المفضية إلى التهجير القسري للشعب الفلسطيني خارج القطاع، وهذا الهدف يتماشى أساساً مع تقارير الشاباك التي كانت تحذر فيها من القنبلة الديمغرافية في القطاع، والتي تسبب العديد من الأوضاع الإنسانية الصعبة بما يؤدي إلى انفجارات أمنية متكررة، وبالضرورة فإن الحل المقترح لطالما كان هو تهجير الغزاويين. ولكن نظراً لصعوبة هذه المغامرة في القرن الواحد والعشرين مقارنة بخطة دال علم 1948، فإن هجوم السابع من أكتوبر كان التبرير الأقوى لدى حكومة نتنياهو بالعمل على تهجيرهم خارج القطاع وليس احتلال غزة. وهنا أتذكر قراءتي لإحدى المراسلات لضابط فرقة اللد الإسرائيلية الذي طلب موافقة بن غوريون باحتلال اللد بعد انسحاب الحامية الأردنية من المدينة بعد حصار طويل عام 1948، فما كان من بن غوريون إلا خاطبه قائلا "أنت لا تفهم . نحن لا نريد احتلال المدينة بسكانها!" وهذا أدى بالقوات الإسرائيلية إلى عمل مجزرة اللد عام 1948 لتهجير سكانها.
ثانيا: لماذا لا تستجيب حماس لكافة اتفاقات التهدئة برغم الاتفاق الإقليمي على مسار ويتكوف؟
حماس تراوغ بانتهازية ولا تريد هدنا قصيرة وإنما اتفاقية وقف إطلاق للنار تضمن الاعتراف بها كقوة حاكمة في غزة حتى لو دمر القطاع كلياً. وهذه المعضلة الأساسية في كل مفاوضات الهدنة السابقة، حيث إن حماس تريد أن يكون اليوم التالي للعدوان هو يوم حمساوي بامتياز بدون السلطة الوطنية الفلسطينية بالطبع، وهي مستعدة لفعل أي شي بما فيها التفاوض المباشر مع الولايات المتحدة حتى تضمن هذه النتيجة. وفي النهاية حماس تحتفظ بورقة المحتجزين الإسرائيليين كورقة رابحة لديها كما تعتقد، ولكنها تعي أنها حتى لو فقدت هذه الورقة فإنها لن تتخلى عن مطلبها الرئيس باستمرار حكمها في القطاع لأنها تدرك تماماً أن لا إسرائيل ولا غيرها معني باحتلال القطاع بسكانه.
ثالثا: لماذا تستمر إسرائيل بوضع العراقيل أمام أي جهود لتسوية للنزاع؟
إن حكومة نتنياهو لن تقبل أبداً باستمرار حكم حماس في القطاع حتى لو أذعنت حماس لكافة شروط بسبب تحسب إسرائيل ان بديل حماس في القطاع لن يكون غير السلطة الوطنية وإسرائيل بالطبع، وإسرائيل بهذا تسعى لأن تقوض قدرة السلطة الوطنية على إعلان الدولة الفلسطينية.
وهناك سبب اخر يتعلقبرغبة نتنياهو في استمرار العدوان حتى يتحاشى محاكمته في قضايا الفساد وفي تحمل مسؤولية السابع من أكتوبر. حيث يدرك الأخير بأن الحرب هي مصدر شرعيته ومصدر حمايته من المعارضة.
رابعاً: لماذا لا توجد مبادرات أمنية وسياسية إقليمية وعربية قادرة على وقف الحرب بشكل نهائي؟
إن السؤال الأصح من وجهة القوى الإقليمية والدولية هو مقلوب هذا التساؤل،
في الواقع لا أحد في المنطقة مستعد لمسح جرائم إسرائيل أو السيطرة على قطاع غزة وحماية وجود الاحتلال في القطاع أو الدخول في حرب مع القوى المسلحة الفلسطينية بحجة حماية الاحتلال. وفي هذا السياق، فإن إصرار إسرائيل على العدوان يجعل الدول الإقليمية والدولية تدرك أن إسرائيل تسعى لتوريطها في هذه الحرب بشكل أو بآخر تماماً كما حدث مع مصر التي نشرت قوات مدرعة لها على طول الحدود مع فلسطين.
ما أود قوله في هذا الاجتهاد بالإجابات المبسطة على هذه الأسئلة هي أنه لا يتوقع أن تنتهي هذه الحرب في الأمد القصير، فحماس تتصرف كالنعامة التي لا تريد أن ترى أن غزة مدمرة بالكامل وأن اسرائيل قضت على معظم قيادتها، وهي أقرب في هذه الحالة لأن تكون في حالة اختباء من مواجهة هذا الواقع، أو لنقل بكلمات أخرى هي مستعدة لأن تخفي رأسها في الرمال ولكنها أبداً غير مستعدة لتوقيع اتفاق لا يضمن وجودها في اليوم التالي بعد العدوان، فعلى الأقل بدون اتفاق تضمن إمكانية العودة للحكم حتى لو بعد عقود طويلة. أما إسرائيل تريد فقط أن تضمن أنها تعيش منفردة في هذه المنطقة. ..!!
مواضيع ذات صلة
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!