بين الادعاء وواقع حرب الإبادة
د.تحسين الاسطل

في خضم التحليلات السياسية التي تبث عبر وسائل الإعلام، تبرز أصوات تتبنى مواقف تروج لطرف فلسطيني دون سواه، وتتجاهل عمق وتعقيد المشهد الوطني. ومن بين تلك الأصوات، يطل علينا محلل سياسي يقيم في تركيا ويتقاضى أجره من قناة الجزيرة، ليدعي، في ظهوره الأخير، أن حركة حماس تمثل "الخيار الوحيد للشعب الفلسطيني"، وأنها استطاعت فرض شروطها على الولايات المتحدة الأميركية، التي -حسب قوله- "لا تجد بديلا عنها للتفاوض".
لكن هذا الخطاب يثير العديد من التساؤلات، إذ يتجاهل عمدا تاريخا طويلا من السياسات التي انتهجتها حركة حماس، ووضعت الشعب الفلسطيني في مواجهة تحديات مصيرية جراء قرارات أحادية الجانب، فرضت فيها الحركة أجندتها الحزبية بقوة السلاح، منذ انقلابها على الشرعية الفلسطينية في قطاع غزة عام 2007. ذلك الانقلاب لم يكن مجرد حدث عابر، بل لحظة فاصلة عطلت مسيرة الديمقراطية، والتنمية، والكرامة الوطنية، وأغلقت آفاق المستقبل أمام أجيال كاملة من الفلسطينيين.
إن التغاضي عن هذه الحقائق لا يمكن فصله عن محاولات تلميع أدوار سياسية في إطار مشروع إقليمي أوسع، تستغل فيه قوى متعددة معاناة الشعوب، ولا سيما الفقيرة والمهمشة، ضمن صراعات ذات أبعاد أيديولوجية وجيوسياسية معقدة.
إن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل تختزل القضية الفلسطينية في مشهد تفاوضي بين قيادي من حماس ومفاوض اميركي، في مشهد شكلي قد يفضي إلى اعتراف ضمني بدولة الاحتلال؟ وهل يعد ذلك إنجازا بعد كل ما تكبده الشعب الفلسطيني من تضحيات جسام، من شهداء، ومعتقلين، ومشردين، في ظل حصار وتجويع وإبادة جماعية ممنهجة؟
إن مصلحة القضية الفلسطينية لا تتحقق بتصريحات إعلامية، ولا بفرض أجندات حزبية، بل بإرادة شعبية جامعة، وبالمشروع الوطني التحرري الذي يستند إلى الحقوق التاريخية والقانونية لشعب فلسطين، في اطار مؤسساتها المعترف بها دوليا، ممثلة بدولة فلسطين ومنظمة التحرير الفلسطينية والشرعية الدولية، أما محاولات فرض واقع معين تحت غطاء فصيل واحد، أو تحت مظلة خارجية، فهي لا تخدم إلا مشاريع التجزئة وتفكيك ما تبقى من وحدة الموقف الفلسطيني، الذي يجب العمل من الكل الفلسطيني لوقفه، ووضع حلول واقعية توقف مخططات تستهدف وجود الشعب الفلسطيني على ارضه.