عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 15 أيار 2025

سؤال النكبة.. سؤال الماضي والحاضر

باسم برهوم

قد يختلط على الجيل الفلسطيني الراهن سؤال النكبة، وبالتحديد الجيل الموجود الآن في قطاع غزة، لأنه يعيش واقعا هو أسوأ بكثير مما قرأه او سمعه عن نكبة العام 1948، هو يعيش في مساحة ضيقة جدا والسماء من فوقه تمطر قنابل وصواريخ بلا انقطاع، لا وقت لديه اصلا لان يفكر في النكبة الأولى، هو يفكر اليوم بالنجاة، ان يبقى على قيد الحياة، واذا نجح لن يجد ما يأكله او يشربه وعليه ايضا ان يؤمن لأطفاله الغذاء، بمعنى ان من في غزة يعيشون دقيقة وأخرى، وبالتالي سؤال النكبة بالنسبة لهم، هو سؤال النجاة من النكبة التي هم فيها.

اما المقصود بالجيل الراهن هم الفلسطينيون الذين تتراوح أعمارهم من 18 إلى 30 عاما، وهم الجيل الثالث بعد النكبة، الذين يعيشون النكبة الجديدة التي تدور فصولها البشعة في قطاع غزة وبدرجة اقل في بعض مناطق الضفة.

كيف يفهم هذا الجيل النكبة الأولى، وهل يسهم هذا الفهم في جعل ما يجري في قطاع غزة مفهوما اكثر لديه، وكيف يمكن ان يوصفه ويشرحه؟

الجيل الذي جاء بعد النكبة وعاش تداعياتها المباشرة، ربما يدرك اكثر من غيره بأن ما يحصل في غزة هو نكبة أشد قسوة وخطرا إنسانيا سياسيا من النكبة الاول، وهذا سيوضح لاحقا. اما الجيل الثالث، فإنه الاكثر معرفة منه، الذي بالفعل قرأ واطلع بما يكفي عن النكبة الأولى فإنه بالتأكيد سيكون أقرب واكثر إدراكا بان ما يجري في قطاع غزة هو نكبة حقيقية وليس شيئا آخر.

وهنا يأتي سؤال آخر وهو يتعلق بالكيفية التي شكل خلالها الشعب الفلسطيني ذاكرته الجماعية بخصوص نكبة العام 1948، وبالتي كيف تصوغ هذه الذاكرة موقفه من ما يجري في غزة منذ السابع من أكتوبر العام 2023؟

المشكلة في الذاكرة الجماعية الفلسطينية بخصوص النكبة الأولى انها ذاكرة غير نقدية، فهي استندت إلى مسلمات لا تصل إلى درجة المعرفة الدقيقة للأسباب الذاتية الخاصة بالحركة الوطنية الفلسطينية قبل العام 1948، الاخفاقات الذاتية التي كانت سببا من أسباب حصول النكبة، فلا يجوز أن نلوم المؤامرة الدولية، ولا نوجه اللوم لأنفسنا، وان ندرك أين أخطأنا وأين اصبنا، غياب الذاكرة النقدية يؤدي مرة أخرى إلى استنتاجات خاطئة بالنسبة للنكبة الحالية.

ولا يلاحظ البعض ان حماس، على سبيل المثال، أخطأت في قرار السابع من أكتوبر فهي لم تلاحظ بدقة ميزان القوى، ولا مدى قوة الدعم الاميركي القوي لإسرائيل.

أسئلة كثيرة تطرح اليوم من اهمها سؤال يتعلق بالاسباب الحقيقية التي قادت لحدوث نكبة العام 1948، كيف نحدد الأسباب الحقيقة للنكبة الحالية؟

قد يكون من الصعب أن يقوم الشعب الفلسطيني بإعادة قراءة متأنية ونقدية لتاريخنا منذ وعد بلفور العام 1917 وحتى الآن، لأنه لا يزال يعيش فصول النكبة بكل ثقلها ومآسيها، وهو يعيش في ظل حرب مستمرة، وبالتالي لم يتسنَ له ان يكون أكثر موضوعية، وان يمارس النقد الذاتي بعمق، من هنا يصعب بالتحديد على الجيل الثالث ان يدرك ما هو الخطأ وما هو الصواب لما يجري في غزة، لأنه مستعجل الخلاص.

من هم في قطاع غزة، وبغض النظر من اي جيل هم، فإنهم يجمعون على انهم يعيشون فصول نكبة مدمرة انسانيا وسياسيا. القطاع اليوم مدمر بالكامل، وما دامت الحرب مستمرة، ومادامت في إسرائيل حكومة متطرفة وفاشية، فإن خطر التهحير لا يزال قائما، كما ان التهحير قد يحدث بشكل ناعم إذا توقفت الحرب وتأخرت عملية إعادة البناء.

والنكبة الحالية لا تجري في غزة وحسب بل هي تجري بأساليب أخرى في الضفة، سواء عبر عمليات عسكرية مباشرة دمرت حتى الآن معظم مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، والنكبة في الضفة هي في سيل القوانين والقرارات التي تصدر يوميا في إسرائيل حول ضم مباشر وغير مباشر لمناطق في الضفة، وصلت إلى أن يمنح للمستوطنين الحق في شراء أرض وعقارات داخل المدن الفلسطينية.

سؤال النكبة هو سؤال الماضي الممتد إلى ما قبل العام 1948، وسؤال الحاضر لأن الشعب الفلسطيني لا يعيش احد فصول النكبة الأولى بل هو يعيش نكبة جديدة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، والاساس في كل ذلك هو ان ننظر للتاريخ والحاضر بعين المعرفة النقدية.