عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 05 أيار 2025

نظرة فلسطينية للعلاقات مع الدول العربية ومحدداتها

باسم برهوم

من الطبيعي أن تكون العلاقات الفلسطينية متداخلة ومتشابكة، وفيها قدر من التدخل المتبادل  وكانت ومع الاسف الشديد، صعبة ودموية في بعض الأحيان،  والعلاقات الفلسطينية العربية مرت بمراحل ومنعطفات وتخللها تعقيد، فرضتها حقائق تاريخية وتاثيرات جيوسياسية، وتداخلات وتدخلات متبادلة، وكانت حسنة ومريحة مع بعض الدول في مرحلة ما وسيئة في أخرى، وبعض ما كان ولا يزال له علاقة بطبيعة الصراع الصعب المعقد مع المشروع الصهيوني،  وفي النزاعات بين الدول العربية ذاتها، وايضا في اطماع الدولة الاقليمية بعضها مع بعض في المساحة الجغرافية ذاتها، والمعروفة إصطلاحا بالشرق الأوسط. والتداخل بين فلسطين والعرب هو مسألة جوهرية وهوية، ونعود للجذر عندما كانت فلسطين جزءا من الحركة القومية العربية، التي بدات في التبلور نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، التي تطورت للمطالبة بالاستقلال التام عن الإمبراطورية العثمانية. وكانت فلسطين منخرطة بالثورة العربية اثناء الحرب العالمية الأولى، وكان فلسطينيون مع الثورة مقاتلين وقادة متنفذين فيها، ولاحقا كانت جزءا من الدولة العربية بقيادة الملك فيصل قبل ان تفرض الدول الاستعمارية التجزئة.

ولأنها واجهت واقعا مختلفا عن باقي الدول العربية،  كونها كانت تواجه استعمارا احلاليا. كانت فلسطين ولا تزال اكثر حاجة ورغبة من شقيقاتها بالوحدة العربية والتضامن العربي، وان لها مصلحة في ان  تكون الدول العربية قوية مستقرة ونامية، فإذا كان واقع العرب صحيا يكون فيه سند ودعم للشعب الفلسطيني.

التدخل الاول للزعماء العرب، جاء مع الأسف، بطلب من بريطانيا خلال ثورة الشعب الفلسطيني الكبرى عام 1936، وكان هدف الطلب البريطاني إقناع قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية انذاك بوقف الإضراب العام والخلود للهدوء، لا يمكن التشكيك بنوايا الزعماء العرب، إذ كان هدف بعضهم بالفعل التخفيف من معاناة الشعب الفلسطيني الذي انهكه الإضراب الذي استمر لستة أشهر متواصلة وحماية مصالحه. ولكن علينا ان نتذكر ان دول العرب كانت اما تحت الانتداب البريطاني او الفرنسي، بمعنى انها لم تكن دولا تمتلك استقلالا حقيقيا.

وبغض النظر عن الماضي البعيد نسبيا، فإن الحديث يعود اليوم حول العلاقات الفلسطينية العربية، خاصة في لبنان وسورية بسبب التطورات المتسارعة في المنطقة، وما حدث في الدولتين من تغير شامل في الاتجاه السياسي وايضا بسبب  تدخل بعض الدول في الشأن الداخلي للشعب الفلسطيني، وتدخلها، من وجهة نظر القسم الأكبر من الفلسطينيين، هو تدخل مضر يلحق الضرر بالقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني.

في فلسطين، ومنذ تجربتي الثورة الفلسطينية في الأردن ولبنان، اجرت القيادة الفلسطينية تقييما عميقا لكافة التجارب السابقة، وحددت القيادة موقفها كالتالي:

أولا: العنصر الأساس الذي لا يمكن المساومة عليه هو القرار الوطني الفلسطيني المستقل، الذي يجب ان يبقى وفي كل الظروف بأيدي اصحابه، والقرار المستقل لا يعني باي حال الانغلاق عن الامتداد العربي، او عدم التفاعل معه بالكامل، لان فلسطين والشعب الفلسطيني، جزء لا يتجزأ من أمته العربية.

ثانيا: عدم التدخل بشؤون الدول العربية الداخلية، فكما نرفض التدخل في شؤوننا، نرفض التدخل في شؤون الاخرين، وان فلسطين تنظر إلى الدول العربية أنها دول شقيقة وشعوبها هي امتداد له وهو منها وهي منه.

ثالثا: الموقف الفلسطيني من اشقائه العرب، هو رغبته في رؤيتهم في حالة استقرار ونمو ونهضة، وان تحافظ الدول العربية على وحدة أراضيها وسيادتها واستقلالها وان تمتلك هذه الدول قرارها الوطني المستقل.

رابعا: القيادة الفلسطينية والشعب الفلسطيني يدعمان بقوة التضامن والتعاون العربي وان نصل في هذا التضامن إلى ما يشبه الاتحاد على نمط الاتحاد الأوروبي. وانطلاقا من ذلك ترى فلسطين ان غياب الاستقرار وغياب التضامن بمثابة تهديد مباشر للقضية الفلسطينية.

خامسا: ان اي تدخل في الشأن الفلسطيني يمكن ان يكون مقبولا ما دام إيجابيا، وما لم يكن يسعى لتغذية الانقسامات في الساحة الفلسطينية وتعميقها لأنها بذلك تقدم خدمة للاحتلال الإسرائيلي.

 مع ذلك فإن الشعب الفلسطيني ممتن ويثمن وفي كل الاوقات والظروف، مواقف اشقائه العرب والدول العربية، ومؤخرا خلال حرب الابادة الجماعية الإسرائيلية في قطاع غزة وما تنفذه إسرائيل من مخططات في الضفة، برزت مواقف عربية قوية وثابتة في منع التهجير (الموقف المصري الأردني السعودي المتميز)، ويثمن كل اشكال الدعم والمساعدات التي تقدمها الدول العربية لقطاع غزة بشكل خاص والشعب الفلسطيني بشكل عام.

وبما يتعلق بالأحداث التي شهدها الأردن الشقيق مؤخرا، فالمواقف الفلسطينية كانت بمنتهى الوضوح: فلسطين تريد اردنًا قويا مستقرا ومزدهرا، ويرفض اي تدخل في شؤونه الداخلية، وان الدعم الأردني لفلسطين هو دعم ثابت ومخلص يقدره ويحترمه الشعب. والامر ذاته بالنسبة للبنان، فالقيادة الفلسطينية تحترم سيادة لبنان واستقلاله، وترفض اي محاولة لزعزعة استقراره، وان اللاجئين الفلسطينيين في لبنان هم تحت القانون وليسوا فوقه، وانهم ضيوف على هذا البلد الشقيق حتى عودتهم إلى وطنهم.

والموقف من سوريا لا يختلف ابدا ولا يخرج عن محددات الموقف الرسمي الفلسطيني، سورية بلد عربي مهم واستقراره مهم، وان الشعب السوري هو سيد خياراته، وان الشعب الفلسطيني يحترم هذه الخيارات ولا يتدخل فيها. ويقف من جميع السوريين واللبنانيين والاردنيين والشعوب العربية بالمسافة ذاتها، وإن للشعب الفلسطيني مصلحة استراتيجية بذلك.