عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 04 أيار 2025

قلت.. لأبي! ها أنذا!

تغريدة الصباح- حسن حميد

اعتدت أن أنسل من أمام أمي مثل خيط ناحل في غبشة الفجر لأسألها إن بقي لدينا شيء من الخبز، أو بعض قطعه الجافة التي يبست حتى تكسرت، فصارت أشكالاً هندسية من مثلثات ومربعات ومتوازيات أضلاع، ودوائر، أسألها لأبدد خيبتي، لأنني مررت بقطعة الكتان التي تحتوي أرغفة الخبز أو بقاياه عادة، فلم أجد فيها سوى نتف مقطعات، فملأت بها جيبي، على عجل، هي لم تسألني إن لقيت بعض قطع الخبز لآخذها معي إلى المدرسة، بل سألتني إن كنت قد كتبت وظائفي البارحة قبل أن أنام، لأنها عادت من مستوصف المخيم ليلاً كعادتها، فوجدتني وإخوتي وبشيرة نائمين، وحين هززت لها رأسي بأنني كتبت وحفظت، مدّت يدها نحو شعر رأسي وقلبته بطواف كفها فيه يمنة ويسرة، وابتسمت، فامتد الصباح أمامي والطريق إلى المدرسة حين قالت: ربي معك!

   ما كانت المدرسة مدرسة، كانت خيمة كبيرة، يقف في وسطها عمود ضخم لونه ترابي، وطوله ساحر ومخيف، وبداخلها لوح خشبي يتصدر أحد جهاتها، وحجارة وقطع طوب طيني يابس، وقطع نايلون وكتان وخيش وقماش، فرشت فوقها كي تواري زواياها الحادة وتقيها من البلل!

   خيمة مهولة وذات هيبة، فيها كتب ودفاتر ولوح خشبي وسيع لونه أسود، وطباشير ذات لون أبيض، وحجارة وقطع طوب طيني، هي مقاعد، وفيها الأستاذ قاسم الذي يعلمنا الحروف والكلمات، وعمليات الحساب، وآيات القرآن الكريم، والأناشيد، والحركات الرياضية، هو وحيد في المدرسة، والمدرسة وحيدة، وبعضنا وحيد في صفه.

   خيمة مهولة وذات هيبة، ندخل إليها نحن والأستاذ قاسم والرياح الغبراء، والتراب الناعم، والأشواك في الصيف، وندخل إليها، والأستاذ قاسم، ومياه الأمطار والبرد واللون الأزرق في الشتاء.

   كنا نعرف مقاعدنا الحجرية والطينية، وقطع الخيش، والكتان، ورقع الثياب، والنايلون مثلما نعرف وجوه بعضنا بعضاً. عادة في الصباح، وحالما ندخل الخيمة قبل دخول الأستاذ قاسم، كنا نرى غضب بعضنا، ونسمع بكاء واحد منا، أو أكثر، لأنه لم يجد قطعة الخيش أو الكتان أو النايلون التي ستنقذه من الزوايا الحادة للحجر الذي يجلس عليه، ومن برودة الحجارة والطوب الطينية اليابسة، فتنشط الأسئلة وتتعالى، من أخذ، ومن فعل، ومن سرق، مثلما تنشط العيون الباصرة في البحث عن قطع الكتان والخيش والنايلون، وينشط التلاميذ، فيقفون لتبدو مقاعدهم وما فوقها، أما المتجاهلون منهم للأسئلة، والبحث، والضجيج، فعادة يكون واحد منهم هو  المتهم.

   كنا نأتي إلى المدرسة فجراً، بلا أحذية، في الصيف والشتاء معا، ليس سهواً عنها، وإنما لأنها غير موجودة، أو لأنّ العطب أصابها فما عادت صالحة ولا لائقة لكي تدخل إلى المكان المقدّس (المدرسة)، كانت أحذيتنا على الأغلب الأعم هي صنادل بلاستيكية نلبسها في الشتاء والصيف، ولكم لعناها وشتمنا من صنعها، لأنها سرعان ما تتقطع وتبلى، كنا نظنها حين نلبسها للمرة الأولى لن تبلى، وسوف تدوم وتدوم، وعليها ألا تضيق على أقدامنا بعد شهور أو سنة، وعليها أن تحفظ نفسها بنفسها، يا للظن، لقد كان ظنا وحسب، لذلك صدقنا، أنّ الأحذية للأعياد فقط، وليست للمدارس أو اللعب.

   كنا نخلق السرور، ونضحك بصوت عال، ونحن داخل المدرسة، نضحك لأنّ الغبار، والتراب، وقصاصات الورق، والأشواك تدخل إلى المدرسة من تحت رواق الخيمة، نضحك لأننا توهمنا أنّ الغبار والتراب وقصاصات الورق، والأشواك دخلت كي تتعلم مثلنا، ونضحك لأن مياه الأمطار تدخل في الشتاء إلى المدرسة أيضاً خلسة ونحن في حيرة من أمرنا، وأسئلتنا، فماذا نسمع والام ننتبه؟ أإلى وقع المطر على الخيمة أم إلى سؤال الأستاذ قاسم الصارخ بنا: 2×2=؟ أم نضحك ونحن نرى مياه الأمطار تدخل بلا استئذان، ويدخل معها البرد، واللون الازرق، فتنداح الوحوحة، والارتجافات، وتتبدل ألوان أيدينا ووجوهنا وأقدامنا، ونصبح طوارق المخيم، لأنّ اللون الأزرق غطانا جميعاً، وما كنا نعرف من هم الطوارق الذين تحدث عنهم الأستاذ قاسم وهو يضحك، ما عرفناه هو أنه امتدحهم، وقال عنهم: إنهم فرسان الصحراء، أما ما هي الصحراء، فلم نعرفها إلا عندما بدأنا نقرأ في كتاب الجغرافية، وقد أحببنا الصحراء كثيراً، لأنها واسعة، ولا تعرف البرد، ولا التراب، ولا الوحول، ولا اللون الأزرق.

   كانت أمي تسألني وفي كل رجوع لي من المدرسة: كيف المدرسة؟ فأظن أنّ المدرسة هي صديقتها، أو أنها هي من بنتها، وزرعت عمودها المهول في وسطها، وهي من دقت اوتادها، وشدت حبالها، فأسألها سؤال من يرى أمه هي الدنيا وقوّتها، أقول لها بعد صمت وشرود: لماذا لم تجعلي باباً وسيعاً لخيمة المدرسة، ولماذا نسيت أن تفتحي شباكاً في رواقها، نحن نختنق في الصيف يا أماه، ولا ترد، أراها تواري وجهها بمنديلها، وتنحني على ما في يديها لكي تحضّر طعام يومنا. ثم تسألني عن الأستاذ قاسم، من ضرب اليوم، ومن لام، ومن عاتب، ومن هدّد، ومن أخاف، ومن توعّد، ثم تسألني، لتكتشف حرصي، هل تأكدت من أنك لم تنس الدفتر أو الكتاب أو القلم، فأقول لها بغبطة: وأين سأنساها، فوق الحجر، وقطعة الخيش، فتضحك، عفواً، تبتسم وهي تقول: أعرفك فأنت لا تردّ طلباً لرفيق لك، فأتجاسر وأخبرها أنّ قلم الكوبيا خلص، وأن الممحاة ذابت، وعندما يدخل أبي دخول زوبعة نهنهتها الرياح، وثقل عليها الغبار، بلونه الترابي، تصمت أمي، وأصمت. فيقول أبي الذي درس صفوف المدرسة الابتدائية في قريتنا الفلسطينية (أكراد البقارة) كيف هي مدرستك، يا أفندي؟ فأقول: تمام، فيسألني: هل ضربك الأستاذ قاسم اليوم؟ فأقول بحماسة: لا، أنا أشطر واحد في صفي! ولا يسألني عن عدد طلاب صفي، فأنا الصف كله، أنا الطالب الوحيد في صفي، ولعله يعرف هذا، وإلا لماذا يبتسم، ويسألني ممازحاً: طيب 2×2 ماذا يساوي، فأجيبه متقمصاً دور الأستاذ قاسم: 2×2 يساوي فلسطين يا أبي!

حسن حميد

[email protected]