الرجل.. الذي باركني!
تغريدة الصباح- حسن حميد

أعترف بأنّ الشاعر أحمد دحبور صاحب فضل عليّ، وهو شاعر نبيل وأكثر، وصاحب قصيدة تعبّر عن صوته وموهبته حقاً، وصاحب نهج شعري لم يتقف فيه نهج أي شاعر من شعراء العرب الكبار، أصحاب التجارب والمكانة، فهو لم يقلّد بدر شاكر السياب في (واو) الاستهلال، ولا تقصّد الإتيان بالحكمة في نهايات مقاطع قصيده الشعري أو في خاتمة نشيده الشعري، والأهم هو أن أحمد دحبور حجز لشعره فضاء إبداعياً حبذه القارئ/ الناقد، وعاشق الشعر، لأنه حرص على الخصوصية الشعرية، والتفلت من لوثة الافتتان بقصائد من سبقوه في الشهرة والتجربة والمكانة والنبر الشعري والعطاء، لهذا لا يمكن لأي محقب لمدونة الشعر الفلسطيني الحديث منذ مطلق عبد الخالق، وعبد الكريم الكرمي، وعبد الرحيم محمود، وإبراهيم طوقان، ونوح إبراهيم.. أن يحيّد تجربة أحمد دحبور، أو يغفل عنها، أو يزلها أو يقصيها أياً كانت دوافعه وغاياته، وأياً كانت الجغرافية الثقافية التي يمثلها أو ينطق باسمها أو يعبر عنها، والأمر واضح وضوح الضوء في أزهار الياسمين، فأشهر نقاد الشعر في العراق، والمرآة النقدية العراقية مرآة صارمة وجدية وقادرة على تمييز أي خبث يخالط معدن الشعر، تحدثوا عن جمالية قصيدة أحمد دحبور المنشورة والمسموعة حين كان يشارك في مهرجان المربد، أشهر مواسم الشعر العربي الراصد للأسماء، والتجارب، والجميل، والنايف في قصيد العرب الحديث، وكذلك هم أشهر نقاد مصر الذين اهتموا بمسارات تطور الشعر العربي الحديث خصّوا أحمد دحبور بالثناء لأن حضوره الشعري تجلّى في مكنته على إظهار براعاته الشعرية البعيدة عن ظلال قصائد الآخرين من شعراء العرل وطيوفها التي امتدت إلى جغرافيات تجارب شعرية عربية كثيرة ومتعددة، والأهم أيضاً هو أنّ أحمد دحبور، وبسبب قربه من أشهر شعراء فلسطين الذين اجتمعوا على تعريفات وخصائص ورموز فلسطينية واحدة تقريباً، في كل مرحلة من مراحل الحياة الصعبة التي عاشها أبناء الشعب الفلسطيني، لم يتأثر بالجماليات التي جاؤوا بها، وكلها، في ظني، أسهمت في تطاول القصيدة الفلسطينية وحضورها الآسر في مدونة الشعر العربي، لأن الإبداع في الآداب والفنون، لا يتطور فردياً مهما كانت موهبة المبدع كبيرة، وإنما يتطور في أسراب وتجمعات ومهمومية تشبه أسراب الطيور؛ أحمد دحبور لم يتأثر بتلك الجماليات والأساليب منها، التي جاء بها محمود درويش من النائي البعيد، ومثله معين بسيسو، وسميح القاسم، وعز الدين المناصرة، ومحمد القيسي، ويوسف الخطيب، وقد أفرد لنفسه فضاء شكل بامتداده جغرافية موهبته التي نشدت المكانة والعرامة الشعرية منذ ديوانه (الولد الفلسطيني)، والحق إن تفلت أحمد دحبور، وعبر قصيده، من تأثير محمود درويش خاصة، وهو القريب منه في أسئلة الشعر وطموحاته، كان بطولة أدبية من جهة، وحفاظاً على خصوصيته من جهة أخرى، لأنّ شعراء العرب المجايلين لـمحمود درويش والسابقين عليه، واللاحقين به معاً، ما استطاعوا التفلت من مقاربة جمالياته، ذلك لأنّ غنى قصيدة محمود درويش، واشتقاقاته لأساليب جديدة لمسارات قصيده، من الاستهلال وحتى الخاتمة، وغنى معجمه اللغوي، وثقافة قصيده الجمالي، كل هذا..، كان له سطوة عجائبية لا تخلو من غرابة لم يعرفها الشعر العربي سوى في بعض أزمنته المدهشة.
قلت، أعترف بأنّ أحمد دحبور كان صاحب فضل عليّ، ذلك لأنه صاحب أول تربيتة عطوف على كتفي الإبداعية، وصاحب أول منطوق جميل أثنى على نصي الأدبي، حين افتككت نفسي من أسئلتي اللحوح، ومنها متى أخرج هذه النصوص الأدبية في منشور على الناس، ومتى أعلن نفسي، وفي الإعلان عن النفس موت صغير، أو خيبات أمل صغيرة لابد من وعيها وإدراك ما فيها من تفاصيل قد ترافق الكاتب إلى آخر عمره الإبداعي.
آنذاك، كنت طالب شهادة الماجستير في الجامعة، حين ناداني الأديب محمود قدري، القاص الفلسطيني المعروف، وهو يومذاك مدير للنشر في دائرة الثقافة والإعلام في منظمة التحرير الفلسطينية، فخفت وتوجست حتى صرت كائناً يختزن الأسئلة الشيطانية، لقد خفت النتيجة على مخطوطتي القصصية الأولى التي سلمتها إليه، وحين دخلت مكتبه، دخلت بألف قدم وقدم، وبألف قلب وقلب، وبألف سؤال وسؤال، وبألف ظن وظن، وانا الذي عشت جغرافية المخيم الملأى بالقلوب الضعيفة، والأسئلة الوجيعة، والظنون الكثيرة، والمرايا العابسة، والفقد الملحوق بالفقد، وقلة اللحظات الهنية أو ندرتها، وقد ازداد خوفي، وطرق قلبي، وثقل رجلي، وانطفاء جسدي، حين وجدت أحمد دحبور يجالسه ويشرب وإياه القهوة التي قابلتني رائحتها لحظة فتحي للباب، ابتسم الاثنان، وقالا كلمة واحدة: مبروك، فهزت كياني كله، محمود قدري، قال لي: هذا، وأشار إلى أحمد دحبور، من كنت ضحيته، وقد نجوت من سطوة رأيه.
بلى، أحمد دحبور، ابن غاسل موتى مخيم العودة في حمص، صاحب (طائر الوحدات)، وصديق محمود درويش، وصاحب الهيبة واللطف، كان هو طائر الرخ الذي انتشلني من أسئلتي وخوفي، وهو من أوقد الفرح في قلبي كي أمشي في دروب الكتابة، ولولاه لتركتها بسبب شواغلي الأخرى.
الآن، وفي ذكرى رحيله، أقول له كلمة الشكر الألف، لتلحق به إلى لحده، فقد كان شاعراً وأكثر، ودارة لطف وأكثر، وفلسطينياً وأكثر، لقد كان قصيده وابتسامته البيضاء، وسلوكه الحضاري كتابا، لكل من يقول معه: رح أزرعك بالدار يا عود اللوز الأخضر، والزراعة جمال، والدار هي حيفا، وأم الرشراش، وأريحا، والقدس، وطبريا، وغزة، والناصرة، وعود اللوز الأخضر هو شعره، وهو حلم الفلسطينيين الذي غدا غابة أشجار وأنهار وطيور ورياح ودروب وظلال.. يفيء إليها أهل النبل، أهل الكبرياء.
مواضيع ذات صلة
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!