عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 26 نيسان 2025

فلسفةُ الصبر.. الطريق إلى الدولة

الرئيس محمود عباس "أبو مازن"

الجزء 14

يقول د محمود عباس:

"عندما حصلت الأزمة نأَتْ المخيمات بنفسها. قلنا لهم "ملناش دعوة، لا تتدخلوا"، وطبعاً "زِعِل" بعضُ الناس. قالت المعارضة كيف تقول "مليش دعوة"؟، كان ردّي أنني في آخر المطاف ضيفٌ في هذا البلد. كانت المخيمات هادئة، ولذلك أرسلت مبعوثين لسوريا للاطلاع على أوضاع اللاجئين. عادوا وقالوا لي "من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن"، ومن دخل المخيمات فهو آمن، يعني "أيْ حَدْ يدخل مخيماً، سواء كان يمينياً أو يساريا، معارِضاً، أو موالياً أهلاً وسهلاً به". قلت لهم هذا ما أريد. لا أريد مشاكل في المخيمات، من نستضيفهم فيها فهي بلدهم.

لاحقاً، بدأت تحصل أحداثٌ في مخيم اليرموك. في مخيم اليرموك لا يوجد سلاح لدى منظمة التحرير، ولا أريد أن يكون لي فيه سلاح، وليس لديّ فيه جنود ولا أريد أن يكون لديّ فيه جنود. نحن كمنظمة التحرير ليس لنا "دور عسكري"، ولا نحب أن يكون لنا "دور عسكري".

 

يقول كريم بقرادوني:

"كان أبو مازن أوّل من فكَّر في أنه يجب وقف الأزمة العربية القائمة بِدءاً بسوريا. وكانت في البدايات. قدّم مشروعَ تسويةٍ منذ الأشهر الأولى لحدوث ما يُسَمّى بالربيع العربي. كان لديه تفكيرٌ أنَّ هذا الربيع العربي يُهدِّد العرب ولا يَحِلّ مشكلة العرب، وأنّه لا بُدَّ من الإسراع إلى إنهاء المشكلة خصوصاً في سوريا. وبالتالي قدَّمَ أوّل مشروع، وأنا من الذين حملوا ورقة أبي مازن للسوريين. فوجئ السوريون بهذا الأمر لأن علاقتهم لم تكن جيّدة مع أبو مازن، كيف يتقدّم إنسانٌ علاقتنا به سيئة بورقة تعالج أزمةً تخصّنا؟؟؟. عندما وقَعَت الأزمة تخلّى عنهم معظم أصدقائهم. وسألته السؤال لماذا فعلت ذلك؟ قال لي: هذه بلدٌ عربي، لا يمكن أن نتجاهلها، وإذا سقطت سوريا تسقط فلسطين. أنا أخدم الوضع في سوريا لأنّه يخدم الوضع في فلسطين".

كانت النتيجة أنّ مسلحي المعارضة هاجموا المخيمات في سورية، مخيم حندرات في حلب ومخيم خان الشيح في ريف دمشق، ومخيم اليرموك الذي تعرَّض سكانُه للتهجير والتدمير بسبب احتلال المسلحين له رغم الاتِّفاق على تحييده، وكان مستغرباً موقف حماس من مأساة المخيم.

خسرت حماس مصر وسورية. ومع ذلك وحرصاً على الوحدة الوطنية ما زال الرئيس أبو مازن يمدُّ يدَ المصالحة لحماس لأنّ في ذلك مصلحة للشعب الفلسطيني، والذي يسمو فوق جميع الاعتبارات رغم النصائح والضغوط وحتى الخسائر.

كان في كلِّ عدوانٍ تتعرّض له غزة يصل الليل بالنهار لإيقاف العدوان عبر اتّصالاته الدولية والعربية التي لا تهدأ.

 لقد حرِص الرئيس أبو مازن على ترميم كل مؤسسات السلطة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية، ولم يقبل أيَّ انتقاصٍ أو تهاونٍ في هذا الأمر، فَعُقِدَت مؤتمرات فتح ومنظمة التحرير في كافّة مؤسساتها، لقد أعاد الرئيس أبو مازن لفتح شبابها.

 

يقول فتستسلاق ماتوزوف (رئيس جمعية الصداقة الروسية مع البلدان العربية):

"وأنا أعتبر أنّ جهود أبو مازن اليوم لتوحيد القدرة الفلسطينية بكاملها من إحدى المهمّات الصعبة، لكنّها ضرورية جدّاً. قوة الفلسطينيين في وحدة صفوفهم بالاعتماد على مواقف الدول العربية بكاملها اليسارية واليمينية والوسط".

لم يترُك منتدىً أو مؤتمراً إقليمياً أوْ دولياً إلّا وسافر إليه رغم أنّه بلغ الثمانين، مدافِعاً عن فلسطين وحقِّ شعبها في الحرية والانعتاق والاستقلال، من أوروبا إلى الأمريكيتين ومن الفاتيكان إلى موسكو.

.. وحينما أصرَّت إسرائيل على تعنّتها ورفضها استكمال استحقاقات الاتِّفاقات الموقّعة بما في ذلك اتِّفاق الإفراج عن الأسرى، لم يتردّد في تنفيذ وعده باللجوء إلى الأمم المتحدة طالباً قبول دولة فلسطين عضواً كامل العضوية، وكانت مكافأة لفلسطين ورئيسها أبو مازن موافقة الجمعية العامة بأغلبية 138 صوتاً على قبول فلسطين "عضواً مراقباً في الجمعية".

"إنّ عضوية فلسطين في المنظمة الدولية باتت حقيقةً مؤجَّلةً لأمدٍ قصير، ولا يُمكن تجنبها، والولايات المتحدة تعرف ذلك".

لقد بلغ تهديد إسرائيل الذروة بإلغاء السلطة الوطنية ذاتها إذا تقدّمت فلسطين بطلب لقبولها عضواً في المحكمة الجنائية الدولية، لكن الرئيس أبو مازن لمْ يَحْسِب أيَّ حساب لتهديدات إسرائيل، وصارت فلسطين عضواً في المحكمة الجنائية الدولية.

وقد نجحت دبلوماسية الرئيس أبو مازن الصبورة والهادئة والشجاعة في اكتساب تعاطف العالم حتى الأوروبيّ منه فاعترفت دولة السويد بدولة فلسطين.

وطالبت برلمانات أوروبية عدّة، منها فرنسا وبريطانيا حكوماتها بالاعتراف بدولة فلسطين.

"لقد أثبت أبو مازن للعالم أن "إسرائيل" تخشى السلام أكثر مما تخشى الحرب".

لا بل إنها مذعورةٌ من السلام لأنها لا تعيش إلا بالبطش والحرب.

وتُدرك الولايات المتحدة أنّها لن تستطيع الاستمرار في موقفها الشاذ، ولا بُدَّ لها في النهاية من أن تعترف بدولة فلسطين على أرض فلسطين.

 إنّ فلسطين تتقدم وإسرائيل تتراجع مرغمةً رغم الظروف المريرة التي يمر بها الواقع العربي.

 ومع ذلك فإنَّ الرئيس أبو مازن لم ينسب نجاحاته الدبلوماسية المثيرة للإعجاب لشخصه، بل أصَرَّ في كل خطاباته ومؤلفاته على نِسبة تلك النجاحات لشهداء فلسطين وخاصّة القادة الكبار وعلى رأسهم أبو عمار وأبو إياد وأبو جهاد وشهداء الثورة والانتفاضة والكفاح البطولي.

لقد وصل الهوس بقادة إسرائيل إلى حد اتهامه بالإرهاب.

اتهمت إسرائيل الرئيس أبو مازن بأنه: "إرهابي دبلوماسي" في دليلٍ ناصعٍ على مدى الغيظ الذي يشعر به قادةُ إسرائيل من الحراك البارع لرئيس دولة فلسطين أبو مازن.  هذا الرئيس المثقف والباحث المدقِّق، والأكثر معرفةً بكلِّ ما في إسرائيل، بكلِّ جرائمها وجبروتها، ولكن بمكامن ضعفها أيضاً.

هذا الرئيس الذي صبر بكبرياء على كل أنواع الاتّهامات وحوّلها كلّها إلى نقاطِ قوةٍ في برنامجه ذي النقطة الواحدة: "استقلال دولة فلسطين"، لتكون منطلقاً لاستعادة الحقوق المغتصبة كلها وعلى رأسها حق العودة.

 في خطابه أمام الجمعية العامّة للأمم المتحدة في 23/9/2011م قال أبو مازن مخاطباً ممثلي العالم:

"في العام 1988م خاطب الرئيس عرفات الجمعية العامة التي اجتمعت في جنيف للاستماع إليه، حيث طرَحَ برنامج السلام الفلسطيني الذي أقرّه المجلس الوطني خلال دورته التي عقدها في الجزائر في تلك السنة.

وعندما اعتمدنا ذلك البرنامج، كنّا نُقْدِم على خطوةٍ مؤلمة وبالغة الصعوبة بالنسبة لنا جميعاً وخاصّة أولئك -وأنا منهم – الذين أُجبروا على ترك منازلهم في مدنهم وقراهم، نَحملُ بعضاً من متاعنا وأحزاننا وذكرياتنا ومفاتيح بيوتنا إلى مخيمات المنافي والشتات خلال النكبة عام 1948م، في واحدة ٍمن أبشع عمليات الاقتلاع والتدمير والاستئصال لمجتمعٍ ناهضٍ متماسكٍ كان يُسْهم بدورٍ رياديٍّ، وبقسطٍ بارزٍ في نهضة المشرق العربي الثقافية والتعليمية والاقتصادية. لقد كنّا بتلك الخطوة التاريخية التي لقيت تقدير دول العالم نُقَدِّمُ تنازلاً هائلاً من أجل تحقيق التسوية التاريخية التي تسمح بصنع السلام في أرض السلام".

كان أبو مازن يضع العالم أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية تجاه أعدل قضايا التاريخ الحديث.

 

يقول باسل عقل (عضو المجلس الوطني الفلسطيني):

"درَجَتْ القيادات الفلسطينية التاريخية المتعاقبة منذ الحاج أمين الحسيني ثم الأستاذ أحمد الشقيري ثم القائد ياسر عرفات على انتهاج سياسة معادية للغرب وتحديداً للولايات المتحدة الأمريكية، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ بحكم الدور الذي لعبه الغرب ولعبته الولايات المتحدة في تأييد الصهيونية العالمية إلى أن قامت إسرائيل وبعد أن قامت إسرائيل فكان من الطبيعي أنْ تكون القيادات الفلسطينية المتعاقِبة معاديةً للغرب ومعاديةً لأمريكا وهذا ما أراح إسرائيل.

 ماذا تريد إسرائيل أكثرَ من أن تكون القيادات الفلسطينية بموقف معادٍ للغرب وللولايات المتحدة. جاء أبو مازن وهو إنسانٌ صاحب رؤيةٍ وفكرٍ في تقديره، وهذا تحليلي الشخصي، وأراد أن يعكس الآية، وافترض أنّه إذا غيّرنا النهج لربّما يكون هناك فرصة لنا لتحقيق شيء للقضية الفلسطينية، ففتح باب التعامل مع الغرب بشكلٍ وديٍّ من خلال خَلق نوعٍ من الثقة، وبدأ التعامل بهذا تحديداً منذ أوسلو ومضى في هذا النهج أكثر من عشرين عاماً".

لقد بدا واضحاً للعالم بعد مفاوضاتٍ استمرَّت من عام 1995م، وفي كامب ديفيد عام 2000، وأنابوليس "2007" وفي الأعوام "2012"" 2013" "2014" أن إسرائيل لا تريد من المفاوضات الوصول إلى حل، بل كسب الوقت لإيصال الشعب الفلسطيني إلى اليأس والعدمية السياسية.

 

يقول صائب عريقات (أمين سر اللجنة التنفيذية):

 "يعني عندما تُفاوِض المسؤول الإسرائيلي يأتي خمسة عشر مليون يهودي لدعمه، يمين.. يسار.. وسط.. ليبرالي، كل هؤلاء لتشجيع ولخدمة هذا المفاوض. "أنا لو بِدّي أتفاوض بِدّي أتْلَفَتْ كل يوم وين السكين اللي في ظهري"، يعني لا يوجد إنسان يتفاوض في ظروفي، أنا لا عندي جيش، ولا اقتصاد، لا عندي نيران، لا عندي عمق، ولا عندي بُعد، ومع ذلك لا أحد يعرف ما هي المسؤولية الداخلية التي نتحملها".

 لم يستسلم أبو مازن للخطّة الإسرائيلية التي أعلن عنها اسحاق شامير بعد مؤتمر مدريد 1992 "بأنّه سيماطل في المفاوضات عشرات السنين"، بلْ شنَّ هجوماً دبلوماسيّا مفاجئاً في وقتٍ لم يتوقّعه أحد. كانت الأمة العربية منشغلة خلاله بأحداث ما يسمى "الربيع العربي".

 

يقول باسل عقل (عضو المجلس الوطني الفلسطيني):

"الذي يفعله الرئيس أبو مازن هو أسلوب الضغط السياسي وهولا يقل فعاليةً عن أسلوب الضغط العسكري، ولم يبقَ أمامنا إلّا هذا الأسلوب، مع أنه ليس سهلاً وليس مفروشاً بالورد، ولكن بعد أن فشلت جميع المساعي السياسية للوصول إلى حلٍّ لم يبقَ أمامَنا سوى الذهاب إلى المحافل والمنظمات الدولية، وهذا ما يفعله الرئيس أبو مازن بالرغم من المصاعب التي تحيط بهذه المساعي، ولكن هذا هو المسعى الأخير والوحيد أمامنا".

 أعلن أبو مازن أمام الجمعية العامة في أيلول 2011م أنّه تقدّم بطلب العضوية الكاملة لدولة فلسطين في المنظمة الدولية، ممّا سبّب إحراجاً شديداً للولايات المتحدة الراعية الوحيدة عملياً لعملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

كان "أبو مازن" قد التقى الرئيس الأمريكي باراك أوباما فطلب منه سحب الطلب، لكنّ أبو مازن رفض بشكل قاطع.

 

يقول أبو مازن:

"مَقِدْروش علينا لأننا بنشتغل صح، و"بِنْحُطِّشْ" ولا غلط "ورانا". عندما أجتمع مع الأمريكان أسألهم "في عندي غلط"، طيب عشر سنين أعطوني غلطة واحدة يقولون "مَفِشْ"، إذن شو بدكم مني؟ إجابتهم: بدنا "تسكت"، مش "َحسْكت"، مَتْرُحْش عالمحكمة، رايح، مَتْرُحْش عالأمم المتحدة، رايح، مَتْرُحْش على مجلس الأمن، رايح، قلت لهم لا 22 مرّة".

 

يقول أحمد الطيبي (عضو القائمة العربية المشتركة في الكنيست الإسرائيلي):

قال بنیامین شتاينس الذي كان وزير الشؤون الاستراتيجية إنّ أبو مازن هو الأخطر بهذا الأسلوب عليهم. هم لا يريدون هذا النوع من المواجهة لا محلياً ولا دولياً، ولذلك أنا أقول إنه كلّما توجَّه أبو مازن إلى أيِّ مؤسّسةٍ دولية، زاد الانقضاض عليه شخصياً، وعلى الموقف الفلسطيني، وخاصّة عندما لا يتراجع ولا يخضع للضغط. قلت وأقول كلّما تقدَّم الجانب الفلسطيني في طرح مشاريعه على المؤسّسات الدولية والأممّية، زاد هذا الهجوم على الرئيس وعلى شخص الرئيس".

رفض أبو مازن سحبَ طلب انتساب فلسطين إلى منظمة "اليونسكو" وحينما قبلت فلسطين انسحبَت الولايات المتحدة منها وأوْقَفت تمويلها.

كان الموقف الأمريكي فضيحةً سياسيّةً أثبتت فيها للمرّة الألف ولكن بفجاجة هذه المرة: "إنّها منصاعةٌ بالكامل للإدارة الإسرائيلية فيما يخص القضية الفلسطينية".

.. في لقاءٍ ثنائي، حمَّلَ "أوباما" أبو مازن مسؤولية قتل الأمريكيين في المنطقة متّهِماً إيّاه بتحريض الناس على الولايات المتحدة لعدم حلِّها القضية الفلسطينية.

قال أوباما:

"إنّ استخدامنا الفيتو يضعنا أمام المسلمين كأعداء".

أجاب أبو مازن ببساطة وتلقائية:

"طيب حلوها"

أدركَ أبو مازن بعد تجارب مؤلمة أنّ الولايات المتحدة "لن تحلها" لأنها لا تريد أو لا تستطيع أنْ تفرض أيَّ حلٍّ على إسرائيل حتى الذي تقترحه ثم تتراجع عنه أمام تعنّت إسرائيل.

.. فقرّر خوض ما أطلقت عليه الدبلوماسية الفلسطينية "أم المعارك" أو "معركة العدل" التي بدت في ظل توازن القوى المختل بشكلٍ مخيف لصالح إسرائيل. بأنّها "ضرب من الجنون".

 

يقول أبو مازن:

"قرّرْت أن أطلب عضوية كاملة في مجلس الأمن، وكان من الواجب وضع أشقائنا العرب بالصورة، فعقدنا اجتماعاً لِلجنة المتابعة. قلنا لهم: يا إخْوانّا بِدْنا نروح نحصل على عضوية كاملة في الجمعية العامة شو رأيكم؟ وافقوا وأخذنا قراراً مكتوباً. فوجئنا "بمَدْبَرة" علينا من أشقائنا قائلين لا يجوز أن تطلب ذلك.

قلنا لهم: اتخذنا قراراً، أجابوا:إننا تنازلنا عن القرار، فسألت: من تنازل؟...ذكروا أسماءً ليست موجودة. كانت كذبة، فأكَّدت لهم أننا لم نتنازل وسنذهب.

 

يتابع أبو مازن:

"جاءني وفد أمريكي، سألني: "ما بدك تقابل الرئيس أوباما"؟ يعني أن أطلب مقابلة. أجبت: "والله أنا بصراحة ما بحب أشْغل الرئيس ولا أحب أن أقحم نفسي على برنامجه المزدحم. ولا يوجد لدي شيء لنقاشه، ولا أريد أن أُثقل عليه حِمْله". عادوا بعد نصف ساعة ليبلغوني أن أوباما يريد مقابلتك. ذهبت.

قال لي: "إن هذا عملٌ ضِدَّ المصالح الأمريكية. بتعرف لو صار أيْ خطر على أيْ أمريكي في أيْ مكان بالعالم، فأنت المسؤول عنه". قلت له: "ليش" قال: بسبب هذا القرار. أوف "ليش" تساءَلت؟ أجاب: لأنّنا سنستخدم الفيتو، وهذا يخلق مواقف عدائية ضد الأمريكيين. قلت له: لا تستخدموا الفيتو. أجاب بأنّه لا يستطيع. وكرّر الطلب: "ما تروحِشْ". أجبت" بدي أروح".

بعد جدالٍ طويلٍ وعميق، التفت إلى هيلاري كلنتون، كنّا نتحدث بالإنكليزية بدون مترجمين، قال لها: بصراحة، المخابرات الإسرائيلية غشّونا. بمعنى أنه سيوافق إذا "جبتوه".

 

يقول د. محمد اشتية (رئيس الوزراء):

هناك مجموعة تهديدات عَبْر عدة قنوات. للأسف الشديد كانت أهم هذه القنوات هي "العربية". قال بعض الوزراء العرب لأبي مازن بالإنجليزي."You are Bluffing" "أنت تخادعنا"، وبعض الرؤساء قالوا له: مش هيك اتفقنا، كان همّهم جميعا عدم إغضاب الأمريكان. كان أبو مازن في نهاية الوضوح مع العرب لكنّهم لم يصدِّقوا أن أبو مازن سيتحدّى الأمريكان ويذهب إلى الأمم المتحدة.

 

يُكْمل أبو مازن:

"بالليل انحشرت مع الأحبّة العرب. كانوا "٤٥ واحد"، هم يقولون "تْرُحِش بكرا" وأنا أردِّد "لا رايح". "أنا ماخذ قرار منكم، وإذا "بدكم تتراجعوا" عن قراركم أنتم أحرار"، بس أنا أخذت قرار. أنا رايح.  كان هذا آخر الكلام.

 

يقول باسل عقل:

"وأنا أسمح لنفسي أنْ أقول ما قاله لي سمو الشيخ حمد الأمير الوالد، وأمير دولة قطر السابق، لأنَّ الاجتماع عُقد في مقرِّه في نيويورك، قال لي لقد أثبت أبو مازن أنّه كان أشجع منّا جميعاً وتمسَّك بموقفه. ذهب إلى الجمعية العامّة وحصل على ما كان يريد الحصول عليه".

 

يتابع أبو مازن:

"ثاني يوم "رُحْت خطبت وكلّهم استقبلوني وهنّوني على الخطاب، وطبعاً لم نأخذ القرار في مجلس الأمن، قلت لهم "استنوني السنة الجاية على الجمعية العامة".

 أدَرْتُ معركةً على مدار السنة...اتصلت بالدول دولةً دولة. أرَدْتُ ضمان الأصوات في الجمعية العامة لأنّ الأصوات فيها ليس كما الحال في مجلس الأمن. في مجلس الأمن لم نستطع رغم جهودنا أن نحصل على أكثر من 8 أصوات بسبب ضغوط الولايات المتحدة.

 المهم أن نحصل على 120 صوتاً، النص زائد واحد. قالوا لي إنّ أوروبا لن تصوِّت. لن تحصل على الأصوات المطلوبة. قلت لهم إن شاء الله. طبعاً أُستعمل معنا كل الإرهاب. حتى ونحن في القاعة وقبل التصويت بقليل، قالوا لي انتظر، هناك ممثلو 50 دولة سيغادرون الجلسة. خرجت و"دخنت بكيت سجاير بنص ساعة" من التوتر.  دخلنا وأخدنا 138 صوت امتنعت 42 دولة و8 مع أمريكا".

 

يقول طاهر المصري (رئيس وزراء الأردن الأسبق):

"قضية فلسطين أصبحت قضية عالمية. شباب العالم حُر، والقوى الاجتماعية وحتى كثير من الحكومات أصبحت تتَفَهَّم القضية الفلسطينية وتدعمها، والتصويتات التي تتم بالأمم المتحدة بالنسبة للقضية الفلسطينية بأعدادٍ كاسحة، خصوصاً التصويت الأخير بقبول فلسطين عضو مراقب بالأمم المتحدة دليلٌ واضح، وصار هناك أجواءٌ وتفاهمٌ عالميّ حول القضية الفلسطينية".

 

يقول د. محمد اشتية:

"وكان ليَ الشرف أن أكون مع أبي مازن عندما جرى التصويت على الاعتراف بفلسطين في الجمعية العمومية بواقع 138 دولة صوَّتت نعم لفلسطين، لمعت الدمعة في عينه من الفرح. لأن التاريخ يصنع هنا بشكل أو بآخر".

 

صائب عريقات (أمين سر اللجنة التنفيذية):

"وأصبحت فلسطين دولةً تحت الاحتلال تماماً كما كانت النرويج، بلجيكا، فرنسا، كوريا، والفلبين أثناء الحرب العالمية الثانية عندما كانت هذه الدول تحت الاحتلال الألماني والياباني، هذا أولاً، الأمر الآخر إنّ هذه العضوية المراقبة لفلسطين أهَّلَت دولة فلسطين على حدود 67 والقدس الشرقية عاصمة لها، لأنْ تنضمّ إلى 523 ميثاقا ومعاهدة وبروتوكولا ومؤسّسة دولية. بعد ذلك جاء الرئيس أوباما إلى رام الله وقابل الرئيس أبو مازن، وكان معه الوزير كيري. طلب أنْ تبدأ المفاوضات وأن تستمر 9 أشهر، وأنْ يمتنع أبو مازن عن الانضمام إلى هذه المؤسسات. وافقنا لأنّنا جزءٌ من العالم. طلبت أوروبا وغيرها مِنّا الذهاب إلى هذه المفاوضات فذهبنا، إلى أنْ أغفَلَها وأَوْقفها نتنياهو في نهاية شهر آذار 2014م، فقامالرئيس محمود عباس بالتوقيع على مجموعة من المواثيق الدولية وعلى رأسها مواثيق جنيف الأربعة لعام 49 وبروتوكولها الإضافي. وبدأت الاستراتيجية الفلسطينية حقيقةً في التنفيذ".

بعد انتظارٍ طويلٍ وخيبات متوالية وصل أبو مازن إلى قناعة بأنه لا بدَّ من الخروج من تحت المظلة الأمريكية والتوجّه مباشرةً إلى المنظمات الدولية لنيل اعترافها بدولة فلسطين عبر قبولها في هيئاتها المتعدِّدة وبروتوكولاتها ومواثيقها".

.. تعرّض أبو مازن لضغوطات متنوعة وقاسية وصلَ بعضها إلى حدِّ التهديد بالتصفية.. لكنَّ أبو مازن لم يتراجع.

 

يقول أبو مازن:

"ذهِل الإسرائيليون وتساءلوا لماذا يكون موضوع القوى وتواجد القوى وموازين هذه القوى ليس لصالحنا!!.  يشرح أبو مازن: نحن "حاطينهم بالزاوية، لا بالسلاح ولا بالبواريد ولا بالبنادق ولا بالصواريخ ولا غيرو، ويتَّهِموننا بالإرهاب الدبلوماسي. لا يتركون مكانا دون التحريض علينا. كتب ليبرمان رسالة رسمية لدول أوروبا يقول فيها إنه يجب قتل هذا الرجل، "يجب قتلي"، فقالوا لي، قلت لهم: "ولا أسْهَل منها، أصلاً أنا قاعد عندو إيمتا ما بِدّو يَأمر بِرَمي صاروخ عالبيت، يعني هي صعبة عليه!! يلّا يتفضَّلْ".

وكانت أكثرَ الخطواتِ جرأةً وخطورة: "هي طلب دولة فلسطين الانتساب إلى محكمة الجنايات الدولية".

يتبع...