فلسفةُ الصبر.. الطريق إلى الدولة
الرئيس محمود عباس "أبو مازن"

الجزء 12
يقول صائب عريقات (أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير):
"وبالفعل، كانت محادثات مُضْنية جداً، كان من غير المسموح الاتصال بمنظمة التحرير أو الإعلان بأنّ هناك مفاوضات باسْمها، وكان هناك عقاب إذا حصل ذلك، القانون الإسرائيلي يقضي بالسجن إذا حصل ذلك. وفي يوم من الأيام جاء السيد بيكر وكنت أنا في الوفد مع الأخ فيصل والأخت حنان والمرحوم حيدر عبد الشافي، والأخ غسان الخطيب والأخ ممدوح العكر على ما أعتقد، فقال بيكر نحن نسعى لإطلاق عملية سلام ويجب أن تمثِّلوا أنتم الشعب الفلسطيني، وقال أيضاَ عليكم أن تتركوا هؤلاء المجموعة من المهرجين في تونس those clowns in Tunes))، بالإشارة إلى قيادتي في منظمة التحرير الفلسطينية، فوضَعْتُ يدي في جيبي وأخرجت رسالةً كان قد بثّها الشهيد ياسر عرفات تحتوي على أسماء الوفد الذي سيحضر الاجتماع مع السيد بيكر، وقلت له، بدون هذه الورقة بتوقيع ياسر عرفات لم يحصل هذا اللقاء، هؤلاء هم قيادتنا وممثلنا الشرعي والوحيد، وعليك أن تتكلم عنهم باحترام".
برز أملٌ وشُكّل وفدٌ فلسطيني-أردني مشترك برئاسة الدكتور حيدر عبد الشافي. افتتح المؤتمر الذي حضرته سورية والأردن والأطراف العربية والدولية في احتفالية ذات رمزية وخصوصية تاريخية، إذ إن ذلك العام صادف مرور خمسمئة عام على خروج العرب من الأندلس وعلى اكتشاف كريستوف كولومبوس أمريكا.
كان اسحق شامير الفظّ المتعصِّبُ رئيساً لوزراء إسرائيل، فحضر المؤتمر وألقى خطاباً عنيفاً متعنِّتاً. وقف فاروق الشرع ورفع صورته مكتوباً عليها: مطلوب للعدالة "كقاتل للكونت برنادوت المندوب الدولي للأمم المتحدة في فلسطين والمتّهم بنسف فندق داوود على من فيه من الضباط والموظفين الإنجليز".
كان المؤتمر مكاناً لمماحكات لا تنتهي وأَعلن شامير أنّه سيماطل في المفاوضات عشرين عاماً. ثم بدأت المفاوضات المتعدّدة الأطراف في واشنطن وكندا وباريس وبدا كأنّها لن تنتهي ولن تصل إلى نتيجة.
يتابع محمود عباس (رئيس دولة فلسطين):
"ثم في مفاوضات الكوريدور انفصل الوفد الأردني عن الوفد الفلسطيني بدعم ومساعدة أردنية، وأصبح هناك وفدٌ فلسطينيٌّ مستقل ووفدٌ أردنيٌّ مستقل، ومشت المفاوضات فترة من الزمن لكن كانت تدور في حلقة مفرغة".
.. في تلك الأثناء كانت تجري في واشنطن مفاوضاتٌ بين الوفدين الإسرائيلي والفلسطيني، وكلّما اتّفِق على نقطةٍ يدب الخلاف على عشرات النقاط، فيخرج الجميع إلى "كوريدور" وزارة الخارجية ويتبادلون أحاديث ثنائية فعُرفت " بمفاوضات الكوريدور".
أثناء المفاوضات المتعدِّدة الأطراف طلب "يائير هيرشفيلد" عضو حزب العمل الإسرائيلي اللقاء بأبي علاء الذي يقود المفاوضات المتعدِّدة الأطراف والأطقم الخاصة بها وهو لا يحضرها لأنّ إسرائيل اشترطت ألّا يحضر أْيّ عضوٍ رسميٍّ في منظمة التحرير المفاوضات، ففوَّضت المنظمة طاقماً اختارته للمتابعة فيه: فيصل الحسيني، وحنان عشراوي، وعفيف صافية.
.. يبدو أنّ اللقاء بين أبي علاء وهيرشفيلد أقنع أبو مازن "بأن الإسرائيليين يرغبون بمفاوضات خاصة مع منظمة التحرير، غير قناة واشنطن".
يقول أبو مازن:
"عندما قرأت تقريرَ أبي علاء لَمَعت في ذهني خاطرةٌ تقول بأن نفتح باباً لحوارٍ سرِّي، وأنّ هذا الرجل لا يمكن أنْ يتصرَّف من ذاته، وأنّه مُكلَّف من رئيسيه بيريز وبيلين".
وهكذا افتتحت قناة "أوسلو". كان الوفد الفلسطيني مؤلفا من السادة:
أحمد قريع أبو علاء، حسن عصفور عضو اللجنة المركزية في حزب الشعب الفلسطيني، ماهر الكرد المستشار في دائرة أبي علاء.
كان وزير الخارجية "هولست" ومساعده "بيتر أندرسون" وزوجته يُسَهِّلون ما استطاعوا مباحثات الوفدين التي بدأت في النرويج في 20/1/1993م، وتنقّلَت من مكان إلى آخر في إحدى عشرة جولة انتهت بالاتِّفاق على إعلان مبادئ في 18/8/1993م.
يقول محمود عباس (رئيس دولة فلسطين):
"بالصدفة، كان هناك مفاوضات على أساس مدريد وواشنطن، كانت مفاوضات عادية وعقيمة، فحصل حوار بين الوفد الفلسطيني والوفد الإسرائيلي، متى نلتقي مرة أخرى؟، فاتّفقوا أن يلتقوا مرة أخرى في النرويج، فبدأ الحوار وكان رابين، ورابين رجل قرار، ومعه بيريز، وبيريز رجل سلام وضعيف من حيث القرار، ولكن مُؤمن بالسلام، فمشى الاثنان في هذا الخط، وأقول بصراحة أنّهم في منتصف الطريق قالوا يجب أن نخبر الأمريكان، وقُلنا لهم نحن أيضاً سنخبر الروس باعتبارهم أصدقاءنا، والمستغرَب أن الأمريكان لم يصدّقوا ما حدّثهم به رابين وقالو له (خلي الأولاد يلعبوا). لم يكونوا مقتنعين أنّ شيئاَ ما يمكن أن يحصل خارج إطار الإدارة الأمريكية. رفع الإسرائيليون العبءَ عنهم بعد أن أخبروا الإدارة الأمريكية، وعندما أنهينا كلَّ شيء ووقَّعْنا بالأحرف الأولى وأعلنّا، استغرب الأمريكان وسألوا ما هذا، فقال لهم الإسرائيليون نحن أخبرناكم، فردَّ الأمريكان (فكَّرناكم عم تمزحوا)، وتمَّ حلّ الموضوع مع الأمريكان –حتى يقولوا للعالم نحن موجودون-بأن اخترعوا صيغة (على ورقة أمريكية تمّت مفاوضات في أوسلو)، وقبلنا بها إكراماً لهم، وذهبنا بعدها للتوقيع في البيت الأبيض. كان الأمريكان يعرفون بالمفاوضات ولكنّهم لم يُصدِّقوا لأنّهم لم يعتقدوا بأنّه من الممكن في هذا العالم أن يَعمل أحدٌ شيئاً وينجح به خارج إطار الإدارة الأمريكية".
كان أبو مازن في 13/9/1993م يقف بقرب الرئيس الأمريكي بيل كلنتون وإلى جانبه وزير خارجية إسرائيل شمعون بيريز بحضور المئات من كبار الشخصيات في الولايات المتحدة وعلى المنصّة رؤساء الولايات المتحدة السابقين.
يقول أبو مازن:
"كانت أول مرّة أرى فيها شمعون بيريز ورابين، لحظةٌ فيها نوعٌ من الرهبة، ولكن لم أشعر أنّ هؤلاء أكبر مِنّا أو أهم أو أفهم مِنّا، كلُّ ما في الأمر أنّهم يقومون باحتلالنا، وهم أتوا ليوقِّعوا معنا اتِّفاقاَ على قدَم المساواة في البيت الأبيض ويشهد على ذلك الرئيس كلينتون. على العكس شعرنا بالثقة بالنفس أننا حقَّقْنا أول هدف، ومن الممكن أنْ نحقِّق ما وراءه، ويمكن أن نحقِّق الدولة الفلسطينية. ربّما لو بقيَ رابين حياًّ لما طالت هذه المدة، لكن للأسف جاء من لا يؤمن بالسلام ويتظاهر بأنه يؤمن بالسلام، وهذه كانت النتيجة".
يقول طاهر المصري (رئيس وزراء الأردن الأسبق):
"كل مواضيع الاتِّفاقيات والمفاوضات يُشكَّك فيها، ويُنظر إليها بشكلٍ مريب، ورأينا عندما حاول رابين أنْ يشذَّ عن القاعدة قتلوه، فاليمين المتطرِّف خلفه أناسٌ مؤثِّرون وربَّما يصلون إلى الحكم الآن".
في حديقة البيت الأبيض تمَّ توقيع أوّلِ اتِّفاق بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل.
يقول كريم بقرادوني (وزير ورئيس سابق لحزب الكتائب اللبناني):
"في الحقيقة، عندما تسلّم ابو مازن المفاوضات، نجح في عمل اختراقٍ كبيرٍ فيما يتعلّق بموضوع أوسلو، الذي بدا لكثيرين كأنّه انتقاصٌ من القضيّة أو التخلّي عن القضية، في حين يبدو اليوم بأنّ أوسلو أوّلُ خطوةٍ اتّجاه إنجاح القضية، أيْ إقامة دولة، وفي اعتقادي أنّه ومنذ البداية عندما يسلّم أبو عمار المفاوضات لأبي مازن معناه اختار الدولة بدل الثورة".
يقول محمد اشتية (عضو اللجنة المركزية لحركة فتح):
عندما تمَّ توقيع اتِّفاق أوسلو في العام 1993، دعت الولايات المتحدة الدول المانحة في 1/10/1993م لاجتماعٍ في وزارة الخارجية الأمريكية برعاية وزير الخارجية الأمريكي وورن كرستوفر، وتمَّ التبرع للسلطة الفلسطينية بمبلغ 2.5 مليار دولار لمدّة خمس سنوات لكي تساعد هذه الأموال الاتِّفاق السياسي الذي تمَّ التوقيعُ عليه من أجل إعادة صياغة البنية التحتية، وبالتالي عملنا على خطّةٍ شاملةٍ وكاملةٍ بالتنسيق مع البنك الدولي ومع مختلف المانحين من الدول العربية وغيرها، وبدأنا نعمل على بناء المدارس ومساعدة الجامعات والمستشفيات والطرق والبنى التحتية (مياه كهرباء) وبناء مؤسّسات ترسم سياسةً مستقبليَّةً للشعب الفلسطيني، وعملنا كل ما له علاقة من أجل إعادة صياغة فلسطين وتحضيرها للاستقلال".
يقول فاروق القدومي (عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية):
"بعد أوسلو، أنشأنا السفارات، وانتشرت السفارات في جميع أنحاء المعمورة، واعترفت بنا حوالي 122 دولة، ثم ازداد الأمر واعترفت الأمم المتّحدة بدولة فلسطين".
يضيف طاهر المصري (رئيس وزراء الأردن الأسبق):
"كانت أوسلو خطوةً جيدة، وكانت (المُمْكن) في ذلك الوقت، حيث سارت على فلسفة (خذ ثم طالب)، فهي خطوةٌ مهمّةٌ في طريق بلورة الشخصية الفلسطينية التي لم تكن تُذْكر كثيراً في العالم وغير محسوس فيها، فجاءت أوسلو مع انتقال القيادة إلى الضفة الغربية وغزة، وأصبح هناك تركيزٌ واهتمام بالقضية الفلسطينية تكلَّلَت بزيارات كلينتون وكارتر وبدأت تشير إلى وجود كيان فلسطيني".
كان الاتِّفاق يقضي بإقامة سلطة فلسطينية في غزة وأريحا أوّلاً ثم يتفاوض الطرفان بدون توقّف للوصول إلى الحلِّ النهائي خلال خمس سنوات أيْ عام 1999م.
يقول نبيل شعث (عضو اللجنة المركزية لحركة فتح):
"من بداية العام 1995م ولغاية عام 2000م، تحوَّلَت فلسطين من دولةٍ تخسر كل سنة إلى دولةٍ نامية، وفي العام 1999م، نمى الدخل القومي الإجمالي GNB إلى 8% صافي من زيادة الأسعار، وفي أول ستة أشهر من سنة 2000 زاد بنسبة 14%، وفي الست سنوات الأولى قُمنا ببناء المطار وبدأنا في بناء الميناء والمناطق الصناعية، وكذلك تم بناء من أربع إلى خمس جامعات جديدة، وكنّا نبني مدرسة كل يوم".
يقول محمود عباس (رئيس دولة فلسطين):
"لتطبيق بنود الاتِّفاق كان السؤال، كيف سنبدأ؟، كان الاتِّفاق أنْ ندخلَ إلى المناطق الفلسطينية، هناك مناطق سيكون عليها نوع من التفاوض وهي ليست (A, B, C)، فهذا التقسيم أتى لاحقاً مع الأسف في غفلةٍ من الزمن، إنّما في الأول كل المناطق الفلسطينية، نناقش المواقع العسكرية، مواقع الاستيطان التي كانت في ذلك الوقت، وبعدين كلّ الأرض لنا. ومن ثم كان السؤال، كيف ندخل؟ فقالوا: ادخلوا من غزة أولاً، وانتظروا لنكمل الانسحابات من المدن لأنّها مدنٌ مأهولة، سيخرجون منها وتصبح تحت السلطة الفلسطينية، وحقيقةً عندما انسحبوا من كل المدن من الخليل إلى جنين أصبحت كل المدن هذه تحت السلطة الفلسطينية، يُمنع الإسرائيلي من دخولها، لكنّهم الآن يستبيحونها وهذا مخالِفٌ للاتِّفاق. ثم عملوا (A, B, C)، ولم تكن واردةً في الاتفاقيات ولمْ أدرِ كيف تمّ ذلك لأننا بعدها أوقفنا المفاوضات، وكانت نتيجتها المنطقة (أ) لا يدخلونها، المنطقة (ب) يمكن أن يكون هناك شراكة بينهما والتقسيم يتم بالتفاوض عليها، وهي الغلطة التي وقع فيها إخوتنا في المفاوضات والتي أدّت الآن إلى استباحة إسرائيل للمناطق وتقسيم حوالي الستين بالمائة من الضفة الغربية".
يقول نبيل شعث (عضو اللجنة المركزية لحركة فتح):
"المفاوضات التي سُميّت (مفاوضات غزة أريحا)، هي المفاوضات التي حوَّلت المبادئ التي أتُفق عليها في أوسلو إلى اتِّفاق تفصيليٍّ عُدنا على أساسه إلى أرض الوطن، وهذا الذي فتح المرحلة الجديدة، وهي بناء السلطة الوطنية في الوطن بدايةً في غزة وأريحا، ومن ثم الضفة الغربية، وما زلنا حتى الآن نواجه العراقيل الإسرائيلية وكلَّ الدعم الأمريكي لهذه العراقيل، ولذلك ولغاية الآن وللأسف الشديد لم نحقِّق هذه الدولة المستقلة ولم نُنهِ أو نستطيع أن ننهيَ الاحتلال، مع ذلك لم ييأس أبو مازن وأنا لم أيْأس، ولا زالت هناك أدواتٌ للنضال والحراك، وإمكانياتٌ للإبداع".
لقد قيل الكثير عن أوسلو وصُبّت عليه أنهارٌ من اللطمات والتشكيك والاتهامات، لكّن الذي لا مفرَّ من الاعتراف به أنه لأول مرة منذ عام 1948م، يعود فلسطينيون إلى أرضهم، يقيمون سلطتهم على بقعة من وطنهم المغتصب ويرفعون علَمَهم فوق رمز سيادتهم الجديدة، وتحمل شرطتهم السلاح أمام مؤسساتهم وفي شوارع مدنهم.
يقول كريم بقرادوني (وزير ورئيس سابق لحزب الكتائب اللبناني):
"اتِّفاقية أوسلو أتت في مرحلة الصدام أو السقوط العربي، لقد أسقطت حرب الخليج المشروعَ العربيَّ وبدا أنّ هناك مشروعاً بديلاً، خروج أوسلو -المؤتمر الدولي- في تلك الأجواء أعطى المجال لبعض العقائديين أو بعض الإصلاحيين أن لا يتمَّ حلُّ هذه المشكلة، في تلك المرحلة التقت بعض الأطراف من منطق الصراع الداخلي على القول إنّ اتِّفاقية أوسلو هي تراجعٌ وتخلٍّ وانتقاصٌ ولا تؤدي إلى الشيء المطلوب، وكان الجوّ العربي محقوناً بسبب خروج هذه الاتِّفاقية بحالة غير صحيّة، وفي لحظة كان الرأي العام العربي في صعود وتشدّد، فجاءت هذه الاتِّفاقية هزيلة أمام هذا التشدّد".
منذ سنوات بعيدة قرّر الفلسطينيون التفاوض مع مُحْتلِّ بلادهم لإقامة سلطتهم المؤقتة التي ستكون منطلقاً لكفاحٍ سياسيٍّ وشعبيٍّ لا يهدأ حتى انتزاع الحقوق في الدولة المستقلة السيّدة على كامل الأرض المحتلة عام 1967م، وعاصمتها القدس الشرقية. وتدرك إسرائيل والولايات المتحدة أنّ قضايا الحل النهائي وأهمّها " قضية اللاجئين لا بدَّ أنْ تجد حلاًّ ما ذات يوم. فإلى متى الفرار من استحقاقٍ أثبت أنّه لن يموت.
لا شك أنه من حقِّ أيِّ مواطن فلسطيني معارضة الاتِّفاق، ولكن من حق قيادة المنظمة أن تسعى لتطبيق برنامجها المقرّر منذ عام 1974م وهو "إقامة السلطة الوطنية على أيّ شِبْرٍ يُحَرَّر من فلسطين".
في عام 1994م، دخل أبو عمار ومعه أبو مازن غزة التي استقبلتهم بموجٍ من البشر لكنه غادر غزة، قال "لأنّني لاحظتُ أموراً لم أرتح لها. لقد جئنا لنبني دولة.. فأين ما جِئْنا من أجله من هذه الممارسات الفاسدة".
اغتيل إسحق رابين عام 1996م، وفي عام 1999م، صعد نتنياهو إلى السلطة وبدأ التنصُّل من الاتِّفاق لكنَّه سقط بعد سنة وحلّ محلَّه "إيهود باراك"، وفي أواخر عهد بيل كلينتون اجتمعت القيادة الفلسطينية في كامب ديفيد مع الوفد الإسرائيلي برئاسة باراك وبحضور كلينتون وفشل الاتِّفاق.
يقول محمود عباس (رئيس دولة فلسطين):
"أصرَّت أمريكا على أنْ نذهب لكامب ديفيد، قال أبو عمار (لا)، فلنحضّر، على ماذا سنتفاوض؟ هناك من أفهم الأمريكان أن الأمور ناضجة فنذهب ونوقِّع، هناك من أفهمهم من الطرف الفلسطيني دون ذكر أسماء، وقال نحن نضمن أن تسير الأمور، قال أبو عمار: (أنا بدِّي أروح أتفاوض على شو؟)، وأنا رأيي كذلك، يجب أن ندرس ونحضّر، فتركونا كم يوم لنحضِّر وأخذوا صائب وشخص آخر في أمريكا".
يقول صائب عريقات (أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية):
"قبل كامب ديفيد بثلاثة أسابيع تقريباً، وصلت مادلين أولبرايت إلى رام الله لزيارة أبو عمار رحمه الله، وأثناء وجودها اتّصل الرئيس كلينتون بأبو عمار وقال:(أعدك إنْ أتيتم إلى كامب ديفيد وفشل الاتِّفاق لن أوجه اللوم لأحد)، فقال أبو عمار:(نحن سنأتي لكي ننجح، ولكن نحن لسنا جاهزين، أطلعتني وفودنا التي تفاوض على ثغرات، هناك فرق شاسع، نحن نحتاج مزيداً من التحضير والمفاوضات لردم الهوة القائمة).
د. محمود عباس (رئيس دولة فلسطين):
"ذهبنا إلى كامب ديفيد، وبصراحة لم يُقدَّم لنا شيءٌ ملموس، كلّها عبارة عن أفكار يُقدِّمها كلينتون ويختفي وراءها باراك، فإذا قبلناها قال "اوك"، وإذا لم نقبلها يقول هذه ليست أفكاري. لمدة 15 يوماً ولم نحصل على مقترحٍ واحدٍ ملموس، وخلصت المدة وقال السيد كلينتون: لستم أنتم المسؤولون عن الفشل ولن أقول أنّكم المسؤولون، وبعد أسبوع اتّهمنا بإفشاله".
يقول صائب عريقات (أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية):
"نزلت في الليلة الأخيرة وكان شلومو بن عامي من الجانب الإسرائيلي والرئيس كلينتون وأنا لصياغة البيان الختامي، وقالوا من الأفضل أنْ نعطي انطباعاً ايجابياً وأنّنا حاولنا وسنُكمل، فوافقنا، وكتبنا البيان الختامي وقُلنا صحيح بأنّنا لم نتوصّل إلى اتِّفاق ولكن سنستأنف المفاوضات مطلع الشهر القادم وخرج البيان، وما إنْ خرجنا من كامب ديفيد وإلّا بالبيان الرسمي يخرج من البيت الأبيض ويقول بأن ياسر عرفات أفشل المفاوضات وقال لا".
يقول: فيتشسلاف ماتوزوف (رئيس جمعية الصداقة الروسية مع البلدان العربية):
"كل العالم يعرِف أنّ ايهود باراك عرَض على ياسر عرفات اقتراحات سلمية تؤدي إلى إقامة الدولة المستقلة بحضور بيل كلينتون، ولا أحد يتناول الموضوع الأساسي، نصّ الاقتراحات الإسرائيلية، ولماذا رفض ياسر عرفات هذه الاقتراحات السلمية التي كانت تؤدي إلى حلِّ قضية اللاجئين وقضية تأسيس الدولة، أيْ مضمون هذه الوثيقة، وأنا سمعت واستغربت عرض ايهود باراك على القيادة الفلسطينية الفكرة أنْ يعملوا أرضية من الباطون المسلح تحت المسجد الأقصى مترين أو ثلاثة أمتار للأعلى ويسمح لإسرائيل ببناء هيكل سليمان، طبعاً هذا معروف للسياسيين ولكن الرأي العام لا يعرف هذا، كان جواب عرفات:(أنا مش مسؤول عن مصير المسجد الأقصى، هذه القيمة الروحية للعالم الإسلامي، نحن فلسطينيون، ورفض توقيع هذه الالتزامات)".
اتَّهم الأمريكان أبا عمار بأنَّه أفشل الاتِّفاق، لكن أبو مازن يرفض ذلك بشكل قاطع.
"ما كنّا لنقبل بما عُرض علينا في كامب ديفيد".
"خرَجْتُ مِشْواراَ وِرَجَعتُ إلى لندن وقلت: هناك مؤامرةٌ يقودها فلان وفلان على الشعب الفلسطيني من أجل تدميرنا وخيانة القضيّة، وجُنّ جنونهم، ولكن بالنتيجة أنا رجلٌ لا أكتبُ على نفسي أنْ أخونَ شعبي إطلاقاً. رأيتُ المؤامرةَ كبيرةً ولم أترُكها تَمُر، ولغاية الآن يَعْتبر الإسرائيليون أنني أفشلت كامب ديفيد. أنا لم أُفْشِلها، ولكن أنا لا أقبل بالعروض الهشَّة التي كانت تعرض علينا، لم يعطونا عرضاً صحيحاً لنقبله وأعرضه على الشعب، تُعطيني عروضاً هشَّةً ثم تقول إني لا أريد القدس، ومن ثم تأخذ 90% من الأرض أي حوالي 650 كلم من الضفة الصغيرة، ونحن نأخذ بالمقابل 1%، لذلك كانت فاشلة منذ البداية وأنا كنت متنبئا بالفشل قبل أن نذهب لأنهم "جرّونا جر" للمفاوضات بلا تحضير ليلعبوا بنا، لذلك لم أذهب".
ذلك الاجتماع المرتَجَل الذي أُعِدَّ على عجل لابتزاز القيادة الفلسطينية أو ليفشل وتُلقى التبعات على القيادة الفلسطينية.
يقول صائب عريقات (أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية):
"كأيِّ مجتمع آخر، هناك أشخاصٌ لدينا يحبون أن يقدِّموا أوراق اعتمادهم وهم يروِّجون، في أية مفاوضات يُحرَّم أن يكون المفاوض صاحب قرار، يعني من يذهب ليفاوض يجب أن يعود إلى القيادة ليتم أخذ القرار، المفاوض يكون صاحب القرار عندما تكون الأمور جاهزة أو يكون هناك نقطة أو نقطتان بحاجة لقرار على مستوى القيادات، فتجتمع القيادة وتأخذ القرار وليس المفاوضات بحد ذاتها".
يقول محمود عباس (رئيس دولة فلسطين):
"منذ اليوم الأول كان الوفد الفلسطيني في كامب ديفيد منقسماً على نفسه، كان هناك انقسامٌ سكني، وفد إسرائيلي أمريكي ومعه بعض الفلسطينيين، وأبو عمار وأنا بجانبه، وبقية الوفد الفلسطيني، إذاً من الناحية الجغرافية كنّا منقسمين، ثم كنّا بالأفكار منقسمين، بعضهم يقول: (لماذا لا نقبل؟ وسيبكم من حق العودة، وبعدين يا أبو عمار ولازم تكون القدس لنا؟، ما بكفيك تاخدلك مكتب بالقدس وخَلَص)، فطبعاً جُنَّ جنوننا، أنتم تبيعون فلسطين، وهم من أخبر الأمريكان قبل كامب ديفيد أن الأمور جاهزة".
عاد الوفد إلى رام الله وقام أرييل شارون بزيارته الاستفزازية إلى المسجد الأقصى برفقة ثلاثة آلاف جندي إسرائيلي، فاندلعت انتفاضة الأقصى. استمرّت الانتفاضة وتوقَّفت المباحثات مع الإسرائيليين وكان جورج بوش الابن قد صعد إلى الرئاسة الأمريكية.
يتبع...
مواضيع ذات صلة
ضجة وشائعات "تنهش" لحوم جنين
صرخات أمهات الأسرى.. شاهدة على مأساة إنسانية متفاقمة خلف جدران السجون
الاحتلال يهدم محلا تجاريا وأسوارا في سلوان جنوب القدس
الخليل تواجه محاولة إعادة احتلالها بغطاء إداري
3 عائلات في مهب الإخلاء في عرابة
تهديدات بيئية خطيرة تلاحق وادي نهر المُقطع
براء عماد تكتب حكاية فلسطين من الميكروفون إلى العالم