ثلاثاء حمراء.. أخرى!
تغريدة الصباح - حسن حميد

بكى على أكتاف رفاق عدة مشوا في جنازة غسان كنفاني الذي اغتيل ضحى، مع ابنة أخته، ابنة السنوات السبع عشرة، بكى وهو يردد: ليتكم تعرفون من اغتالت اليد الإسرائيلية.
ذلك الباكي هو كمال ناصر، الشاعر والإعلامي والسياسي والخطيب والمنفي والشريد والمهجر والمبعد إلى الكثير من المدن العربية والعالمية، وذلك الباكي هو كمال ناصر الذي وصف جنازة غسان كنفاني بالعرس الوطني، وتمنى أن يرحل مثل هذا الرحيل الأخير، وأن يخرج كل هؤلاء الناس في وداعه مثلما خرجوا لوداع غسان كنفاني، ولم يطل الوقت سوى سنة أو أو أقل، فرحل كمال ناصر، مع رفيقيه كمال عدوان، ومحمد يوسف النجار، بعد اغتيالهم ليلاً في بيروت، في شارع فروان في 10 نيسان 1973، على يد مجموعة من الموساد الإسرائيلي، وثلاثتهم كانوا من أهم رموز القيادة الفلسطينية آنذاك، كمال عدوان كان مسؤول الثورة في الوطن المحتل (القطاع الغربي)، ومحمد يوسف النجار كانت أول قائد فلسطيني لقوات العاصفة، أما كمال ناصر فكان مسؤول الإعلام الموحد، ورئيس تحرير مجلة (فلسطين الثورة) أشهر مطبوعة إعلامية فلسطينية تصدر في بيروت متحدثة باسم منظمة التحرير الفلسطينية.
بكى كمال ناصر غسان كنفاني كما لم يبك أحداً من قبل لأنه كان يعرف قدرات غسان كنفاني ومواهبه، وعزومه الوطنية، وصلابته الثورية، وقد دعاه بعد أن أنشأ مجلة (فلسطين الثورة) أن يتسلم مسؤولية رئاسة التحرير فيها، غير أن غسان كنفاني، قال له (العين لا تعلو على الحاجب)، تقديراً منه لمكانة كمال ناصر، وتجربته الوطنية.
ولد كمال ناصر سنة 1924 في مدينة غزة، وعاش في مدينة بيرزيت، ودرس في الجامعة الأميركية في بيروت، العلوم السياسية، وكان هذا التخصص جديداً في تلك الأيام.أمه، وهي أديبة، وعارفة باللغات الأجنبية تمنت عليه أن يدرس الحقوق، لكنه لم يطق دراستها، فهي تحتاج إلى المزيد من الانضباط، والهدوء، والتريث، وهذه الصفات تخالف طباعه، فهو فوّار مثل ماء كبريتي، شديد الحماسة، وسريع التلبية، إنه الشاعر الذي يقول القصيدة فور ذيوع الخبر، أو انتشار الحدث.
أصدر مجلة (الجيل الجديد) مع الكاتبين المترجمين خيري حماد، وهشام النشاشيبي في مدينة القدس عام 1949، وقد ذاع صيت المجلة حين استقطبت الكثير من الكتّاب والشعراء وأهل الرأي.
خاض غمار السياسة، فانتخب نائباً عن مدينة رام الله سنة 1956، ورغم مكانته السياسية والإعلامية، شارك في الكتابة الصحفية لمعظم المجلات الفلسطينية المعروفة آنذاك في رام الله والقدس، وقد عرف شهرة إعلامية واسعة، حين راحت بعض المجلات العربية تعيد نشر أعمدته الصحفية.
غادر القدس إلى مدينة دمشق، حين قامت الوحدة بين مصر وسورية عام 1958، فقد عدّ قيامها عيداً قومياً، وحدثاً رئيساً، وحلماً عزيزاً من أحلام العرب، وقد كتب الكثير من المقالات حول الوحدة، ستكون، فيما بعد، أشبه بالوصايا الوطنية التي ترى في الوحدة خلاصاً للعرب من مشكلاتهم، بما في ذلك الخلاص من عقابيل النكبة الفلسطينية، وحين حدث الانفصال 1961، غادر دمشق إلى القاهرة، ثم عاد إلى سورية، وعرف الاعتقال بسبب علو صوته، وصراحته الوطنية، ومعارضته بعض الأفكار التي طرحت آنذاك، ثم خرج من السجن إلى بيروت، ومنها إلى باريس، ومنها عودة إلى الضفة، ومنها بعد هزيمة حزيران 1967 إلى عمان مشاركاً في أعمال الثورة الفلسطينية، فكان عضواً في أول لجنة تنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية شكلها الزعيم ياسر عرفات 1969.
أسس دائرة التوجيه والإعلام في م.ت.ف، وشغل بالإعلام حتى صار حياته كلها، وأسس أيضاً الإعلام الموحد الذي اشتمل على مجلة (فلسطين الثورة)، وإذاعة فلسطين، ووكالة الأنباء الفلسطينية (وفا)، وجهاز الإعلام الفلسطيني الخارجي، وجهاز الإعلام الجماهيري، ومؤسسة السينما الفلسطينية، وكان مجلس الإعلام الموحد يضيم قامات أدبية وإعلامية لها وزنها ورزانتها وأدوارها الوطنية الجليلة، ومنهم غسان كنفاني، وماجد أبو شرار، وشفيق الحوت، وفضل شرورو، ومعن بشور، ومحمد كتمتو، وعلي اسحق، وهؤلاء كانوا الأسماء الأبدى إعلامياً في الفصائل الفلسطينية آنذاك، وقد تركوا إبداعاتهم الشخصية في الرواية والقصة والشعر والمسرح، وسخّروا ثقافاتهم كلها من أجل خدمة الإعلام الفلسطيني الذي غدا بحق صوت الشعب الفلسطيني في الوطن والمنفى في آن.
كمال ناصر، وبعيداً عن الإعلام، هو شاعر مطبوع، قرأ شعره في التظاهرات الوطنية، فحفظت الجماهير قصائده ورددتها، وعرف كإنسان بإخلاصه وحبه للعدالة حتى لقب (بالضمير)، مثلما عرف بعشقه للبلاد الفلسطينية، فكان المؤرخ، والكاتب، والتراثي، والخطيب والمفكر الرائي، والباحث الاجتماعي طالباً لوحدة أبناء الشعب الفلسطيني لنصرة الثورة الفلسطينية، واستعادة الأرض والمكانة.
حقق كمال ناصر بعضاً من أحلامه، حين استشهد، وكانت الشهادة أمنية وهدفاً وحلما، وقد خرجت الجماهير اللبنانية والفلسطينية في جنازته مع رفيقيه المناضلين كمال عدوان (ولادة 1935) ومحمد يوسف النجار (ولادة 1930) مثلما خرجت قبل سنة مودعة الشهيد غسان كنفاني، ومثلما خرجت الجماهير الفلسطينية قبل أربعين سنة وأزيد مودعة شهداء الثلاثاء الحمراء ( محمد جمجوم، وعطا الزير، وفؤاد حجازي) الوداع الذي يليق بهم، وتحققت وصيته أيضاً، حين دفن إلى جوار غسان كنفاني في مقبرة صبرا وشاتيلا وهو المسيحي الفلسطيني الذي عاش حياته كلها، منذوراً، كما قالت والدته، لفلسطين التي أحبها وأحبته، والتي عزّها، فعزّته بالحضور والمكانة الرفيعة العالية.
10نيسان 1973، كان ثلاثاء حمراء أخرى لوداع كمال عدوان، ومحمد يوسف النجار، وكمال ناصر، وهذا ما يؤكد التقاليد والأعراف النبيلة التي عرفها وعاشها أبناء الشعب الفلسطيني وفاء للشهداء الكرام، وتعزيزا لمكانتهم السامية، وتخليدا لأفعالهم التامات.
مواضيع ذات صلة
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!