عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 09 نيسان 2025

ولا بد ممن لا بد منه

تغريدة الصباح - محمد علي طه

أنعى إليكم الديمقراطية الأميركية التي تفاخر بها النظام الرأسمالي في الولايات المتحدة الأميركية طيلة عقود، وتغنى بها تلاميذه وأتباعه وأشياعه ورواده وأقنانه ومواليه، في الغرب وفي الشرق وفي دول العالم الثالث، وفي نوادي الأحزاب التي تأكل خبزها من فتاتها، وفي صحافة مريديه وأعلامه وكتبته، وفي معابده ومعاهده، وفي جامعاته وكلياته ومراكز أبحاثه، وفي مقاهيه وخماراته ونوادي قماره وبيوت دعارته، وفي عساكره وحاملات طائراته، وفي جواسيسه وسفاراته.

أنعى إليكم ديمقراطية "الواحة في صحراء الدكتاتورية" و"الفيلا في غابة" التي تفاخرت بديمقراطيتها صباح مساء أمام بلدان الشرق وفي وادي النيل وبلاد ما بين النهرين وفي بلاد كل من ينطق في الضاد ويجيء، وبفضلها رحبت بها نوادي واشنطن ولندن وباريس وروما وبرلين وفيينا وأخواتهن، ورقصت وغنت واغتالت واحتلت ودمرت وأبادت.. وعين الرضا عن كل عيب كليلة.

أنعى إليكم نوابا طواويس وببغاوات في قصور السلطان يوقعون بأصابعهم وألسنتهم ومناقيرهم على كل فرماناته، ويسبحون بحمده، ويشكرون آلاءه، ويمدحون جمال زوجته ويقدمون الخيول والزهور والخمور لولي عهده.

أنعى إليكم صحافة السلطان وكتبتها وأبواقها وإذاعاتها ومحطات تلفازها ومواقعها التكنولوجية التي تتبارى في مدحه والصلاة عليه وإليه، وتقبيل راحتيه، وتقتات على فتات مائدته، وتدبج القصائد العصماء في مديح جرائمه وعدد ضحاياه من القرنفل وشقائق النعمان ونوار اللوز وعبير البرتقال والأقحوان وعصا الراعي، وتسوق مصرع كل زهرة وفسيلة وغصن ميرمية باسم الديموقراطية والحرية والحضارة الغربية.

أنعى إليكم أحزاب معارضة صهيونية بدون لسان وبدون أسنان.

أنعى إليكم زمنا كان فيه رؤساء وقادة يشار إليهم بالبنان وكتب المؤرخون عنهم فصولا طويلة. هل تذكرون جواهر لال نهرو وشارل ديغول وتيتو وناصر وماو ونكروما وكرايسكي وبن بيلا وكلنتون والملك فيصل.

أنعى إليكم أياما مضت حيث كنا ننام في بيوتنا وأبوابها مفتوحة لا نخاف لصا ولا قاتلا ولا "طخيخا" ولا بلطجيا.

أنعى إليكم أياما كنا فيها نلعن الحروب ونتظاهر ضد الحاكم ولا نخشاه.

ولكن....

يا أهلي ويا ربعي هناك على غصن الليمونة الخضراء هزار يغرد وينعى الخمول والكسل والاستسلام واليأس، وفي ساحة الدار دوري يروح ويجيئ ويسقسق فتجيبه يمامة تبشر بالخير.

لا ترامب باقٍ، ولا أزعر الحارة خالد ولا مقامر البورصة منتصر.

هناك وراء الجبل شمس لا بد من أن تشرق، وهناك وراء الهضبة قمر لا بد من أن يكتمل ويكون بدرا، وهناك عنادل وحساسين لا بد من أن تغرد، وهناك أزهار بيضاء وحمراء وصفراء لا بد من أن تتفتح، وهناك ينبوع ماء فرات لا بد من أن يتدفق، وهناك أطفال يولدون ويضحكون، وهناك عرائس وعرسان يرقصون، ولا بد ممن لا بد منه، ولا بد من أن تزول الشدائد ويختفي أزعر الحارة وتنقشع الغيوم السوداء، ولا بد من أن تطرد أشعة الشمس البرد القارس، ويسود الدفء ويعم النور، ويفرح الأطفال وتزغرد الأمهات.