إلى متى تبقى في القلب تجرح؟
تغريدة الصباح- محمد علي طه

اعتاد صديقي العزيز الكاتب د. أسعد عبد الرحمن، صاحب التجربة الوطنية العريضة، أن يرسل إلي مقتطفات مما تنشره الصحف العبرية: "هآرتس" و"معاريف" و"يديعوت أحرونوت" وهو لا يعلم أنني قرأتها من قبل في اللغة العبرية، وفيها نقد لاذع لمنجزات حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل منذ السابع من أكتوبر 2023 على قطاع غزة وعلى حزب الله وعلى المخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، وفيها أيضا إزالة الستار عن هدف نتنياهو الحقيقي من هذه الحرب المجنونة، ولعل صديقي يرجو من رسائله زرع الأمل في القارئ في هذا الزمن المأساوي الذي وصفه محامٍ إسرائيلي: "نستنتج أنه على الرغم من الثمن الذي دفعته دولة إسرائيل حتى الآن، وعلى الرغم من "الإنجازات الرائعة" التي تحققت في ميدان المعركة فإنها ليست الجانب المنتصر، ومن المؤكد أنها لم تحقق النصر المطلق" الذي وعد به نتنياهو شعب إسرائيل وما زال يتمناه.
ربما يعني هذا المحامي بـ"الإنجازات الرائعة" تدمير قطاع غزة ومحو مدن وقرى ومخيمات من على وجه الأرض، وهدم جامعات ومعاهد علمية ومساجد وكنائس أثرية، وقتل ما يزيد على خمسين ألف فلسطيني بما فيهم آلاف الأطفال والنساء، وجرح ما يربو على مائة ألف فلسطيني، وقتل قادة حركة حماس في قطاع غزة وفي بيروت وفي طهران، واغتيال قادة حزب الله فوق الأرض وتحت الأرض، وتدمير عشرات القرى في الجنوب اللبناني بالإضافة إلى ضاحية بيروت.
وعلى الرغم من هذه "الإنجازات الرائعة" التي دعمتها جميع الأحزاب اليهودية الإسرائيلية إلا أن لجان التحقيق العسكرية والمدنية بدأت تبحث في فشل إسرائيل الكبير في السابع من أكتوبر وفي الضربة القاسية التي تلقتها ولم تصح منها بعد، وقد كشفت هذه اللجان، التي لم يتم تشكيل اللجنة المهمة منها حتى الآن، عن أمور خطيرة في الساحتين الأمنية والمدنية، ولا بد من أن تؤثر نتائج هذه اللجان على قوى الأحزاب ومصيرها وعلى تشكيل الحكومات في السنوات القادمة وعندئذٍ سوف يختفي زعماء وقادة وجنرالات عن الخريطة السياسية.
وإذا كان الجانب الإسرائيلي القوي عسكريا والمدعوم أميركيا بدأ يشكل لجان التحقيق كي يصل إلى حقيقة ما جرى، فإن الجانب الفلسطيني لم يفعل ذلك حتى الآن.
الإنسان الفلسطيني ذكي وشجاع وقوي وقد عاش، طيلة قرن كامل، الثورات والانتفاضات والحروب وذاق وجع النكبة وألم النكسة وخرج منهما صامدا ولم يرفع الراية البيضاء ولن يرفعها إلا أن أسئلة كبيرة تغلي في داخله، وثورة تهدر في صدره فإلى متى سيبقى شعاره: خليه في القلب يجرح، ولا يطلع يفضح ؟؟!!
نحن نعيش في فترة صعبة جدا، فيها مرارة العلقم في الفم، وفيها شوك الصبار في الحلق، وفيها قطع الزجاج بالمريء، وتكاد تغيب الشمعة في آخر النفق. ولا بد من أن نعترف بأن قضية القضايا، قضية فلسطين، شعبا وأرضا، تدهورت إلى الحضيض الذي نعيشه في هذه الأيام، فلماذا نكابر ونقول إن 7 أكتوبر 2023 حرك قضية فلسطين؟ ماذا جرى ويجري لمليوني فلسطيني في قطاع غزة؟ وماذا يحدث يوميا في مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم والدور قادم إلى مخيم الدهيشة ومخيم بلاطة وباقي المخيمات؟ وماذا يجري في القدس العربية وفي المسجد الأقصى؟ وما هي معاناة الفلاحين والقرويين في الضفة الغربية؟ وماذا يجري يوميا في النقب والمثلث والجليل؟ ما هذا العنف وهذا القتل وهذه السوق السوداء؟
يسعى نتنياهو واليمين الإسرائيلي كي لا يروا حزبا عربيا في الكنيست، ويسعون أيضا إلى القضاء التام على السلطة الفلسطينية التي يرون فيها السبيل إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وخطرا كبيرا على مخططاتهم.
يؤسفني ويؤلمني أنني أنا الإنسان البشير دوما قد تحولت إلى نذير.
ما جئت كي أرعبكم وأزرع اليأس في قلوبكم. معاذ الله. بل جئت كي أحذر وأحذر وأحذر.
إلى متى ستبقى الحصوة في الفم يا صديقي أسعد؟ وإلى متى يبقى شعارنا خليها تبقى في القلب تجرح ولا تطلع وتفضح؟
مواضيع ذات صلة
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!