عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 02 شباط 2016

في الظل... لاجئو مخيم البَقْعَة.. "فراشات الحرير"!

بروفايل بثينة حمدان

الأردن- "عمان" هو مثل فراشة دودة القز والتي بعد تقطيعها مئات الأمتار من خيوط شرنقة الحرير، تخرج منها ثم تموت بعد فترة قصيرة.. اللاجئ الفلسطيني في مخيم البَقْعَة هو من الفراشات الاستثنائية التي وبعد أن قطَّع الصهاينة عنها قسرًا خيوط الوطن، إلا أنها تعيش لتسلم مفاتيح الأمل للجيل القادم، بدورة لجوء منذ النكسة؛ تشرد قاسٍ وخيام تحولت بعد عام إلى بركسات من الزينكو والاسبست والكرتون، باردة شتاء وحارة صيفًا، وفي عام 1972 سمح بالبناء على أن يبقى السقف من الزينكو، وفي عام 1980 سمح بعقد السقف وربطت الحكومة الأردنية المخيمات بشبكات الصرف الصحي والكهرباء والماء.. ومع الأمل الممتلئ بالعودة توطن اللاجئ تدريجيًّا في المملكة الأردنية الهاشمية بحجارة تتخذ إحدى صفات الديمومة "شكلاً" فقط، لكن اللاجئين أثبتوا أنهم فراشات الحرير التي لا تموت بخروجها من الوطن؛ تعيش بين السوق والنادي الرياضي والنشاطات النسائية وتأهيل المعاقين وأبطال الملاكمة بلا منافس ورسومات تحكي في كلّيتها عن فلسطين؛ الوطن الوحيد..

أكبر مخيمات الشتات

اتجهت الحياة الجديدة هذه المرة إلى المملكة الأردنية الهاشمية حيث مخيم البقعة الواقع ضمن أراضي محافظة البلقاء شمال غرب عمان، ينتظرني أحد أبناء المخيم باسل عرار، والذي رحب بي بمسحة من اللجوء وكأنه يُعَرّفني على جزء من فلسطين، سرنا في أكبر مخيمات اللاجئين في الشتات الفلسطيني والذي تأسس عام 1968 بديلاً عن عدد من المخيمات المؤقتة والتي أقيمت في المملكة إثر نكسة عام 1967.

أشار باسل إلى منازل المخيم والتي كانت عبارة عن خمسة آلاف خيمة يقطن فيها ستة وعشرون ألف لاجئ على مساحة 1.4 كم2 ثم تحولت تدريجيًّا بين الأعوام 1969 و1971 إلى ثمانية آلاف مسكن هي عبارة عن غرفة أو اثنتين صغيرة جدًّا حسب عدد أفراد العائلة. وبناءً على معطيات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين فإن في المخيم اليوم 104 آلاف لاجئ مسجلين لديها، وقد يصل العدد الإجمالي إلى 140 ألفًا.

موطن اللاجئ

 يبلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين 5.4 مليون مسجلين لدى وكالة الغوث، وتبلغ نسبتهم في الأردن 42% من إجمالي اللاجئين أي أكثر من نحو مليوني لاجئ يعيشون في عشرة مخيمات، أكبرها مساحة وسكانًا على مستوى مخيمات الشتات الفلسطيني مخيم البقعة.

وتعد منطقة البقعة المنخفضة أخصب المناطق في الأردن تقع بين سلسلة الجبال المحيطة بها، وكانت تشكل سلة الأردن الزراعية تنتج ربع محصولها الزراعي الذي تخلت عنه للاجئ وعاملته بشكل متميز عن دول الجوار التي استقبلت الفلسطينيين فمنحته الجنسية وحقوقه في التعليم والعمل والتملك. واستأجرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين عام 1967 أرض المخيم لمدة خمسين عامًا – قابلة للتجديد- بقي منها عامان، وبني المخيم بتمويل من جمهورية ألمانيا الاتحادية.

لاجئون متشحون بالأبيض! 

كانت خيام "البقعة" تطير صيفًا وتغرق في الوحل شتاءً، الحياة فيها بلا ماء أو كهرباء أو طعام، حاول الدود والقمل والجرب الناتج عن شح مقومات النظافة، أن يأكل اللاجئين لكنه كان رفيقهم الذي شغلهم مؤقتًا عن فكرة رحيلهم القسري والقاسي، فأن تحك جلدك وشعرك أفضل من أن تفكر بنعيم الماضي وفجاعة الحاضر وآلامه، كل سكان المخيم متشحون بالأبيض كعلاج لآفات الرأس والجلد.. كان الدواء يقول لهم: كلكم سواسية؛ ملاّكين وفلاحين... وفعلاً كان الترابط أكثر بلا حدود اجتماعية أو طبقية، الفقدان للوطن يجمعهم.

حديث الذاكرة

أخذني باسل إلى جمعية أصدقاء الأطفال الخيرية، وهناك كان للذاكرة حديثها فلا ينسى باسل وحل المنطقة وكيف كان الكبار يحملون أحذيتهم ريثما يصلون الشارع الرئيسي، ينتعلونه ويذهبون إلى أعمالهم.. استقبلتنا في الجمعية مديرها العام سناء عبد الدايم والتي تحدثت عن سهرات الأهالي في شوارع المخيم بلا حواجز، وفي العيد تصنع السيدات الكعك في بيت واحد ثم يوزع على الحارة، تذكر بيوت المخيم والتي كانت وحدات لكل واحدة رقمها ومساحة الواحدة منها 90 مترًا، كانت عائلات المخيم تذهب إلى منطقة الشونة في أغوار الأردن لتعبئة المياه مشيًا على الأقدام، ثم أصبح لكل حي صنبور مياه قبل أن تدخل الحنفيات البيوت. في المخيم عيادتان و16 مدرسة ابتدائية وثانوية لوكالة الغوث.

حذاء.. سندريلا!

كانت سناء عند تأسيس المخيم في الخامسة من عمرها، وما زالت تذكر أيام الدراسة وقصة سندريلا التي أضاعت حذاءها لدى الأمير الذي يفترض أن ينتشلها من الوحل، لكن سناء قصتها مختلفة فهي فلسطينية، كَبُرَ وعيها على اللجوء، حكايتها ببساطة أنها في إحدى المرات استيقظت باكرًا وارتدت ملابسها وخرجت في فرح ولهفة إلى المدرسة، سارت في الوحل كالمعتاد فعلق حذاؤها الأخضر فيه، حاولت انتزاعه بلا جدوى، بكت وقررت العودة إلى المنزل، فقد علق الحذاء وضاع!

فقراء المخيم

كان المكان يتحدث عن نفسه ويقول: "هنا يسكن الفقراء" أما الذين استطاعوا تحسين أحوالهم فقد خرجوا منه إلى أحياء عمان الأفضل حالاً، لا يوجد احصاءات رسمية عن مستوى الفقر لكنك تستطيع مشاهدته في معالم المخيم ووجوه ساكنيه، وتبلغ نسبة المستفيدين من خدمات الإغاثة في وكالة الغوث نحو 2.6% فقط من مجمل اللاجئين المسجلين لديها، لاسيما بعد تقليص الوكالة خدماتها الغذائية والصحية والتعليمية.

صبحة عبد الغافر والتي التقيتها في الجمعية كانت في صباها خلال النكسة قالت لـ "الحياة الجديدة": "يا ريت لو نحن بأريحا حيث أرضنا التي كنا نزرعها بطاطا وبندورة وباذنجان وفلفل وبالصيف قمح، كان لدينا عمال يساعدوننا في الأرض" وأضافت "مع أخبار الهبة، بدني يرتجف بأكمله، أدعو لهم، وأعيش طوال الوقت أفكر بهم".

راتب صغير.. أحلام كبيرة

ماجدة عيسى، سيدة في العقد الخامس من عمرها، تتحدث بشغف تفوّق على سوء الحال، هي من قرية بيت محسير في القدس لكنها ولدت في مخيم عقبة جبر في أريحا وفي الثالثة من عمرها بدأت رحلة النزوح. عاشت عائلتها في تجمع للاجئين في منطقة جبل التاج في عمان في بيوت سقفها من قصب ويفتقر المكان الذي لم يأخذ صفة المخيم إلى الماء والكهرباء والمجاري. وفي غرفة واحدة ومطبخ وحمام عاشت عائلتها المكونة من خمسة أفراد واثنين من أعمامها. ورغم ضوء لمبة الكاز الشحيح إلا أنها أنهت الثانوية العامة ثم التحقت بدورة مكتبات.

تشغل اليوم منصب المديرة التنفيذية لجمعية أصدقاء الأطفال الخيرية، وبعد ثمانية وعشرين عامًا من العمل فإنها تتقاضى 241 دينارًا ولديها أربعة أبناء وبنت، أما زوجها فلا يعمل لمرضه حيث تبلغ نسبة العجز لديه 75%. خصصت معظم راتبها للطعام فالأبناء في مدارس الوكالة والغرفة التي تعيش فيها ومساحتها 90 مترًا ملك للاجئين، وقد يكفي الراتب للفرح، فقد ساعدت ابنها بتكاليف الزواج وشيدت له غرفة فوق المنزل. في المكتبة بدأت ماجدة حياتها المهنية.

المكتبة.. صارت جمعية

حدثتنا ماجدة عن المكتبة التي احتوت على أحد عشر ألف كتاب، تخدم أطفال المخيم والقرى المجاورة وكان مقرها في منطقة السوق، ومنذ تسع سنوات انتقلت إلى أحد المنازل الذي يعود لعائلة العرابيد متبرعة به للجمعية، ولديهم اليوم 150 طالبًا من المخيم والحارات المجاورة يحصلون على دروس تقوية بمبالغ رمزية جدًّا يستثنى منها المحتاج، عدا عن خدمة الحاسوب والانترنت. توسعت الجمعية وافتتحت قسمًا لرياض الأطفال يضم 140 طفلاً، عدا عن مركز ثقافي وبرامج لتمكين المرأة ونواد صيفية وإحياء الاحتفالات الوطنية.

عجلات تذوّبها أزقة المخيم!

تابعت وباسل السير في شوارع لا تحمل في شكلها ألوان الفراشات باستثناء ابتسامات المارة وخاصة الأطفال والأجمل من الفراشات، ورغم شحوب المكان ولونه الاسمنتي إلا أن الشخصيات التي قابلناها كانت نماذج من أمل، وصلنا مركز التأهيل المجتمعي للمعاقين في المخيم، وهناك التقينا المدير عدنان الأسمر مواليد 1955 من قرية بيت نتيف قضاء الخليل، والذي قال: "يتبع المركز وكالة الغوث، تأسس عام 1988 يركز على تأهيل المعاقين عبر برامج لدمجهم في المجتمع، ويلتحق به معاقون من كافة المحافظة وليس فقط المخيم". ساهمت برامج التدريب المهني في تشغيل المعاقين، لكن مشكلة واحدة بقيت عالقة وهي عربات المعاقين وشوارع المخيم القاسية، والتي تحولهم من اعاقة ناتجة عن شلل سفلي إلى إعاقة أخرى تكمن في الشلل العلوي بسبب امراض الرقبة والديسك الناتجة عن قيادة الكرسي في أماكن صعبة والتي تستهلك أيضًا عجلات عرباتهم وليس أطرافهم العليا فقط.

الملاكمة.. حكرا!

مع تأسيس المخيم كانت أكبر خيمة فيه هي لـ "نادي البقعة" والذي لعب دورًا في خدمة أبنائه ثقافيًّا ورياضيًّا بل وفي العمل الشعبي للمخيم مثلا في توزيع الوحدات السكنية على الناس، وصفه عدنان الأسمر: "خيمتان كبيرتان تتسع كل واحدة منهما إلى مئة وخمسين شخصًا، تحولت إلى بركسات وفي عام 1981 بدأ البناء للنادي من الباطون في منطقة السوق الحالي". مررت وباسل بالسوق ثم صعدنا إلى النادي الذي تم رفعه  وبناء سوق كامل أسفله هو استثمار النادي ليتحمل مسؤولية مصاريفه، في النادي اعتلت الجدران لوحات عن آلام المخيم ووصايا اللاجئين وحق العودة. شاهدت كؤوس الفوز، فلا يمكن ذكر لعبة الملاكمة دون ربط البطولة بلاجئي مخيم البقعة، والذين يتربعون على عرش بطولات المملكة بلا منافس بل والفوز في بطولات عربية وآسيوية. عدا عن فريق البقعة لكرة القدم والذي بات لاعبوه يعتاشون من هذه الرياضة بل ويحترفونها في المنتخب الأردني. التقيت أيضاً الرياضي المتقاعد عدنان علوش الذي كان لاعبًا في فريق البقعة لكرة القدم ولاعب خط وسط في المنتخب الأردني لاثني عشر عامًا، أسس أكاديمية علوش لكرة القدم، لديه فرق فتيات وفتيان وكل همه إشغال الأطفال عن آفة المخدرات.

.. وفي حارة "الحلوين"

كانت المحطة الأخيرة في مرسم الفنان خليل غيث، حين وصلنا كانت رائحة "قلاية البندورة بالفلفل والثوم" تفوح، خجل خليل معتذرًا عن القلاية الفقيرة، لم أكن أنوي مشاركتهم لكن الرائحة كانت أقوى مني. أفرحني أنني تقاسمت الخبز مع فنان فوجئت أنه من قريتي "عنابة" المهجرة، فكان ختامها "بندورة" وأحاديث شيقة، فحارة أهل عنابة في المخيم تسمى "حارة الحلوين" ما زادني فخرًا وغرورًا! وفي انتظار القلاية أردت إخبارهم: أرجوكم أوقفوا طهي البندور فقد بدت رائحتها وكأنها تجف... ومع ذلك كانت لذيذة بعد يوم شاق، زاده حلاوة خليل وأصدقائه بإصرارهم أن أتناول "شعر البنات" الذي مر للتو من باب المرسم. لقد حصلت في هذه الزيارة على ألذ الوجبات على قلبي!

الفنان.. ووجه اللاجئ

يمشي خليل ويحاول البحث مع كل شتاء على وجه يجمع كل ملامح اللجوء، يبيع لوحاته في الأردن وخارجها، هو الفنان المعتمد لدى وزارة الثقافة والمصنف الوحيد ضمن فئة الفنان التشكيلي في محافظة البلقاء. يحضر معارض باسم الوزارة يتحدث فيها عما يؤمن به بأن الفن هو الشاهد الحي على قضية اللجوء وأن اللجوء هو جزء من المقاومة، لا يرسم الجماليات بقدر ما يرسم الرحيل والمعاناة والخيام.

يتوقف بين أزقة المخيم يجد جدارًا بائسًا فيقرر أن يفرد ريشته وألوانه ويرسم جدارية ما، يتوقف بعض الأطفال لمساعدته، وفي إحدى لوحاته؛ "حلم الرجوع"، حاول تخيل شعوره لو تحقق حلم العودة إلى فلسطين فرسم شخصًا فاردًا ذراعيه مرفوع الرأس، يأخذ شهيقًا وأمامه الأفق بأكمله وحطة على وتد. يخاف خليل من الأحداث التي يعتبرها أكبر منه فهو لا يستطيع تخيل مشهد حرق الشهيد محمد أبو خضير، ويغرق في ألمه وخجله من سؤال صعب: هل رسمت الشهيد أبو خضير؟!