عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 17 آب 2024

فضائيات اخبارية.. بين التضليل والتواطؤ

باسم برهوم

بالتأكيد هناك حاجة أن يتابع المرء، وبقدر الإمكان، ما ينشر في الإعلام على مختلف مشاربه وأجنداته، ولكن بالضرورة أن يحدد المرء وعن وعي ما يريد من كل وسيلة إعلام، وأن يمتلك فكرة عن الممولين، وما هي أجندة القناة أو الصحيفة أو الموقع الإلكتروني، وبالتالي يصبح بالإمكان السيطرة على وسائل الاعلام بدل أن تسيطر هي عليك وعلى عقلك ووعيك.

الحديث هنا يدور عن بعض القنوات العربية التي ليس، من بينها واحدة قلبها على الشعب الفلسطيني، إنما قلبها على من يمولها ومصالحه، وتنحصر مهمة القنوات في تضليل الرأي العام الفلسطيني والعربي، أو في دمج إسرائيل في المنطقة، وفي كلتا الحالتين هي سيئة للشعب الفلسطيني ولا تخدم مصالحه ولا قضيته.

هناك قنوات تتصرف وكأنها فلسطينية أكثر من الفلسطينيين، ولكن عندما ينظر المرء لهدف القناة أو من يمولها نكتشف انه يغطي دورا للمول، وبالتالي هي أداة لهذا الأخير لتحقيق أهدافه الخاصة، وعندما يدقق المرء أكثر يلاحظ أن هذا يتم على حساب سفك دم الشعب الفلسطيني، وكلما سال الدم الفلسطيني تزداد شعبية القناة، ويصبح دور الممول أهم.

بالمقابل، هناك قنوات لا تخفي انها لا تبحث عن دور في ما يجري، ولكن هي معنية أن تقدم لمموليها انها متماشية مع فكرة تعميم إسرائيل عربيا حتى وعندما تكون تل أبيب تقتل الفلسطينيين بالمئات يوميا.

المشاهد الفلسطيني قد يعتقد أن الأولى أفضل وأقرب اليه لكونها تنفخ بالخبر الفلسطيني ليل نهار، ولكن هي في واقع الأمر أكثر خطورة من الثانية، لكونها تضلل الفلسطيني بأن مقاومته بإمكانها التغلب على إسرائيل وداعميها، وبالتالي عليه أن يتقبل حرب الابادة وإن طالت كثيرا. وهي أخطر لأنها تمنح إسرائيل المزيد من الوقت لتقتل أكثر وتدمر أكثر، وهي أكثر خطورة لأنها تحاول أن تقنع الفلسطيني ان المقاومة هي الهدف، وانه يجب حماية حماس بدل ان نقوم بحماية الشعب وإنقاذ الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.

القنوات المضللة تعلم علم اليقين ان قطاع غزة قد أصبح منطقة غير قابلة للحياة ومع ذلك تبقى تنفخ بالمقاومة، وهذا النفخ هو المبرر لنتنياهو كي يواصل حرب الابادة، وبين هذا وذاك يزداد دور الممول أهمية. من هنا مهما كانت القنوات التي تعمم إسرائيل وتطبع وجودها في المنطقة خطيرة، الا ان ضرر الأولى فتاك لأنه يدمر وجودنا المادي، ويخرب عقولنا ويفسد الوطنية الفلسطينية.

القنوات التي تعمم إسرائيل من السهل مواجهتها، وحتى عزل تأثيرها في الوعي، ولكن القنوات المضللة من الصعب عزلها، وهذا يحتاج الى جهد وزمن ولا يتم إلا بعد ان يخوض الشعب الفلسطيني تجربته الدموية الصعبة ويخسر الكثير من دمه وماله وفي قضيته.

ولكن الأهم أن يدرك الفلسطيني ان هدف هذين النوعين من القنوات هو واحد وهو دعم وجود إسرائيل، ولكن التكلفة على الشعب الفلسطيني من القنوات المضللة عالية جدا، والثمن الذي يدفعه الشعب الفلسطيني أكبر، وقد تكون قضيتنا قد صفيت قبل ان يدرك الفلسطيني كم من التضليل قد أصابه.

وقد نخرج باستنتاح ان يعض القنوات العربية الأقل تناولا للحدث الفلسطيني، أو تلك التي لا تتاجر بالدم الفلسطيني، وبالرغم من انها قد تبدو سلبية تجاه تغطية الحدت، فإنها أقل خطورة من النمطين السابقين، لأن ممولها غير مكترث في لعب دور إقليمي أو دولي على حساب الدم الفلسطيني. ثم لنسأل أنفسنا: ألم تقم هذه القنوات مجدها ومنذ تأسيسها، على حساب الدم الفلسطيني ومآسيه؟ ثم ألم يصبح ممولو هذه القنوات أهم إقليميا ودوليا مع تأسيس هذه القنوات الى درجة ان إحدى الدول بالكاد كنا نسمع بها قبل أن تؤسس قناتها الفضائية الإخبارية؟ 

فقط ما على المشاهد الفلسطيني سوى أن يراجع تاريخ هذه القنوات ومموليها قليلا ليكتشف دورها على سبيل المثال اثناء ثورات الربيع العربي، وكيف كانت تمثل إحدى أدوات تفتيت العديد من الدول العربية، وقبل ذلك كيف كانت سببا في الانقسام الفلسطيني، عندما كانت ترجح كفة جهة على أخرى.

قد يرد أحدهم لو كان البناء والوعي الفلسطيني أقوى وأمتن لما كان تأثير هذه القنوات كبيرا، وهذا صحيح، ولكن جزءا من تمتين الوضع الفلسطيني هو ان نحاول تقليل تأثير هذه القنوات على وعي الفلسطينيين قدر الإمكان، وأن نقلل من سيطرة هذه القنوات على عقولنا، وأن تحدد لنا مواقفنا، وأن نمنع تدمير وطنيتنا الفلسطينية، والتي هي سر وحدتنا ووجودنا كشعب.

وفي السياق ذاته فإن ما ينطبق على القنوات الفضائية الناطقة باللغة العربية، ينطبق على عشرات مراكز البحث في المنطقة والتي تمولها ذات الدول التي تمول القنوات ولها نفس الأدوار، ولهذا بحث آخر في مقال آخر وكيف قامت هذه المراكز بتخريب النخب.