روجيه غارودي
تغريدة الصباح - حسن حميد

قيضت لي الأيام، أن ألتقي روجيه غارودي (1913-2012) في حوارات ونقاشات في البلاد الشامية حيث أعيش، وذلك حين زار سورية ولبنان وبعض البلدان العربية الأخرى، في الثمانينيات حين راح اسمه يدور في هالة من الضوء العالمي، بعدما نشر بيانا مهما في صحيفة (اللوموند الفرنسية) عام 1982 في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي للأراضي اللبنانية، واحتلال بيروت، واقتراف مجزرة صبرا وشاتيلا، وقد وقع على البيان معه الأب ميشيل لولون، والقس إيتان ماثيو، وفيه عرى روجيه غارودي مقاصد النزعة الإسرائيلية من اجتياح بيروت، واقتراف مجزرة صبرا وشاتيلا ومما قاله إن هذه الكيانية قائمة على البطش والعنصرية والعدوان والموت وثقافة إخافة الآخرين، فكان البيان بداية لخصومة طويلة شرسة مع المنظمات الصهيونية في فرنسا والعالم.
عرف روجيه غارودي تقلبات كثيرة في سيرته الحياتية، وفي سيرورة أفكاره التي اعتنقها أيضا، ولعل من أبرزها أنه أوقف حياته كلها تقريبا للدفاع عن الأفكار الاشتراكية والإيمان بالعدالة الاجتماعية، لكنه انقلب على هذه الأفكار عندما هاجم السياسات الاشتراكية، ليس في الاتحاد السوفييتي سابقا وحسب، بل في الكثير من البلدان التي تبنت الأفكار الاشتراكية، وانتسب إلى الحزب الشيوعي الفرنسي عام 1937 في عمر الشباب، وتركه (طردا) سنة 1970 في سن الكهولة، ثم عاد ليؤسس مركز الدراسات والبحوث الماركسية في عام مغادرته للحزب مطرودا، وبقي مديرا له مدة عشر سنوات. ومن انقلاباته أيضا، والخاصة بحياته، أنه اعتنق الإسلام بعد زواجه من الفلسطينية سلمى التاجي الفاروقي التي وجهت نظره وفكره إلى ما يعانيه الشعب الفلسطيني من ظلم وبطش وعنصرية، فدعا العالم لإنصاف الشعب الفلسطيني الذي يخضع لاستعمار إسرائيلي بشع مستند لقوة الغرب ودعمها، وطال بأنه آن الأوان أن ينتهي هذا الاستعمار الإسرائيلي الأخير في هذا العالم.
غارودي، سياسي، ومفكر، وأديب، تشير إلى ذلك كتبه التي تركها وراءه، ورجل آمن بالعدالة الاجتماعية، ومات على إيمانه هذا فلم يغيره أو ينقلب عليه، كتابه(انحطاط أميركا) كتاب يفصح عن عدائه للامبريالية الغربية، وحالات التوحش التي تمارسها في جميع سلوكياتها وحضورها في العالم، وكتابه (الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل) كتاب عقلاني يفحص الأسس والمرتكزات التي قامت عليها الدولة الإسرائيلية على حساب الشعب الفلسطيني الذي هجر وشرد، وقتل أبناؤه واعتقلوا، ففي هذا الكتاب تفنيد للمزاعم الإسرائيلية القديمة والحديثة، وبيان لأكاذيبها وحالات الزيف التي صاحبتها، لذلك سماها بالأساطير!
وغارودي ليس رجل تأليف وكتابة وفلسفة وحسب، بل كان رجل مواقف، فقد أدانته محكمة فرنسية بتهمة التشكيك في محرقة اليهود بأفران الغاز، فحكمت بسجنه سنة واحدة مع وقف التنفيذ، استنادا لكتابه (الأساطير المؤسسة..)، وقد كان قبل توقيع البيان الذي نشره في صحيفة اللوموند الفرنسية) نجم المنابر الإعلامية، أما بعد البيان فقد شنت المنظمات الصهيونية عليه حربا هوجاء، فقاطعته تلك المنابر وازورت عنه، وصار يدفع المال لتلك المنابر كي تنشر مقالته وكأنها إعلان تجاري!
غارودي، درس المادية التاريخية في الجامعة، ووضع عنها رسالة دكتوراه عام 1953، في جامعة السوربون، وحاز شهادة دكتوراه أخرى من جامعة موسكو، وكان يشيد بسياسات الاتحاد السوفييتي، لكنه فجأة انقلب، وراح يهاجم تلك السياسات، ويقول إن سوء التطبيق للأفكار كون ديكتاتورية مقيتة، وغارودي الذي هاجم النازية الألمانية والفاشية الفرنسية، سجن في الجزائر عام 1940 في أثناء الحرب العالمية الثانية، وهناك كما يروي، عرف روح الدين الإسلامي وإنسانيته، فقد امتنع الجزائريون المسلمون عن إطلاق النار عليه، وعلى آخرين معه، حكمت عليهم المحكمة الفرنسية آنذاك بالإعدام، لقد قال الجزائريون: ديننا يمنعنا من قتل الأسرى.
بقي غارودي، طوال حياته، وقد عاش حياة مديدة مؤمنا، بالعدالة الإنسانية، وبالمعادلة الإنسانية المنادية بالحق والخير والجمال، ومعاديا لتوحش الإمبريالية والرأسمالية، وتبني الحكومات القوة والإخافة والتهديد والوعيد لإخضاع الشعوب، مؤيدا لدور الآداب والفنون وقدرتها على الحد من همجية القوة، وتخليص الإنسان من الأفكار المعتمة الظالمة المبنية على الاستعلاء والتفوق وهما.
غارودي انتصف للحق الفلسطيني، حين واقف تاريخ الفلسطينيين وأفكارهم وما فعلته الرأسمالية من أجل تشريدهم ومحو هويتهم، وزرع كيانية إسرائيلية فوق أرضهم من دون وجه حق وبالقوة، وقد حرست الرأسمالية الغربية هذه الكيانية الإسرائيلية بالقوة، وما زالت تحرسها، وقد جاهر غارودي بأفكاره هذه في الكتب التي أصدرها تباعا، هذه الكتب التي قصرنا في طبعها ونشرها وترجمتها إلى مختلف لغات العالم، لأن المنظمات الصهيوينة، وفي جميع أرجاء العالم وضعت (فيتو) يحول بين كتبه وطباعتها ونشرها، ومنذ أن رحل غارودي عام 2012 راح تأثيره يقل، وصوته يتلاشى، وجهره بالحق يغيب، وهذا المصير للأسف ليس شأن روجيه غارودي وحده، وإنما كان مصير الكثير من مثقفي العالم وأدبائه وفنانيه الكبار الذين نادوا بإنصاف الشعب الفلسطيني، وافتكاك أسره من القوة الإسرائيلية الباطشة، ومن القوة الغربية المساندة الداعمة لها منذ 76 سنة، لقد أكد غارودي إن الإسرائيليين مستعمرون، وأنهم يمثلون الصورة الأخيرة الشائهة للاستعمار الغربي، والغربيون يمدونهم بكل أسباب بقائهم الدموي فوق الأرض الفلسطينية، ومن دون حياء أو مواراة، وأكد أيضا، أن لكل قوة ظالمة.. خاتمة، وها هي خاتمة الإسرائيليين.. تقرع الأبواب.
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي