المانحون صوت دون صدى
نبض الحياة - عمر حلمي الغول

وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الاونروا"، التي تشكلت 1949بعد نكبة الشعب الفلسطيني في مايو 1948، ولعبت دورا مهما منذ مطلع خمسينيات القرن الماضي في تقديم الدعم الإنساني للاجئين الفلسطينيين في الأردن وسوريا ولبنان والضفة والقطاع حيث لجأ اليها نحو مليون فلسطيني من مدن وقرى وبلدات الجليل والمثلث والنقب والمدن المختلطة. كما شكلت الوكالة الشاهد الأساس على نكبة الشعب العربي الفلسطيني، رغم ان من دعم تأسيسها آنذاك، أراد لها طمس الابعاد السياسية والقانونية للقضية الفلسطينية على طريق تصفيتها من خلال مؤامرات التوطين للاجئين في دول الشتات، التي لجأوا اليها. لكن الشعب الفلسطيني رفض كل اشكال التوطين، وتصدى لمؤامرات قوى الأعداء منذ اللحظة الأولى.
هذه المؤسسة الأممية الهامة، والتي لعبت دورا مهما في مجالات الاسناد الإنساني والتنموي وخاصة في مجال الصحة والتعليم وتأمين مخيمات إيواء لهم ولأبنائهم، حتى باتت منارات علم ومعرفة واستنهاض للذات الوطنية، وإن كان الدفاع عن الهوية والشخصية الوطنية والمشروع الوطني شمل الكل الفلسطيني دونما استثناء، مما اثار مخاوف دولة إسرائيل والولايات المتحدة ومن تساوق معهم، وتضاعفت المؤامرة على ملف اللاجئين، حيث افترضت تلك الدول بعد اتفاق اسلو ان الفرصة أمست سانحة لتصفية مكانتهم وعودتهم، التي كفلتها قرارات هيئة الأمم المتحدة، وخاصة القرار الاممي 194، الذي وقع وزير خارجية إسرائيل موشيه شاريت حينئذ على استعداد إسرائيل على تنفيذ حق العودة للاجئين لوطنهم الام فلسطين، لكن لم ينفذ منه شيئا.
ومنذ المباشرة بالإعلان وتنفيذ صفقة القرن في نهاية عام 2017 تعمقت وازدادت عملية التآمر على الملف، واخذت الدول ذاتها مع آخرين على محاربة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الاونروا" من خلال أولا العمل على تقليص عدد اللاجئين الى الحد الأقصى، وبما لا يزيد عن 40 الفا من أصل نحو 6 مليون لاجئ؛ ثانيا تجفيف المساعدات المالية لميزانيتها السنوية، وتلفيق التهم لموظفيها، واخرها كان اتهام 12 موظفا من بين ما يزيد عن 13 ألف موظف في غزة بالمشاركة في هجوم السابع من اكتوبر، ما دفع العديد من الدول بالركض في متاهة الإدارة الأميركية وقطعت المساعدات عن الوكالة فورا وقبل ان يظهر الخيط الأبيض من الأسود، لكن الدول كافة تراجعت عن مواقفها الخطيرة بعد ان تبين ان التهم الإسرائيلية كاذبة ومزورة، ومع ذلك حتى الان ترفض الولايات المتحدة إعادة تمويلها للأونروا، التي تقدر مساهمتها نحو 40% من ميزانية هيئة غوث وتشغيل اللاجئين ؛ ثالثا تقوم دولة حرب الإبادة الإسرائيلية عن سابق تصميم وإصرار باستهداف موظفي الوكالة، الذين سقط منهم حتى الآن 195 شهيدا، كما استهدفت مدارس ومؤسسات الاونروا، وتم تدمير قرابة ثلثي المؤسسات التعليمية والصحية والإدارية؛ رابعا مصادقة الكنيست على قرار إسرائيلي يصف هيئة الأمم المتحدة عموما ووكالة الغوث خصوصا بانها "منظمة إرهابية"، وهذا قمة الفجور والغطرسة والخروج على القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، كونها حامية القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي؛ خامسا قامت الإدارة الأميركية بمحاولات عدة من اجل إلغاء دور ومكانة الاونروا عبر احضارها مؤسسات أميركية اثبتت الاحداث في حرب الإبادة الجماعية فشلها الذريع، وأكدت ان لا مجال للاستغناء عن وكالة الغوث. ومع ذلك لا اعتقد ان إسرائيل وسادتها في واشنطن سيتوقفون عند هذا الحد، بل سيواصلون انتاج المؤامرات حتى بلوغ هدفهم، إن استطاعوا.
ومن علامات التواطؤ مع المخطط التصفوي الاسرائيلي ما شاهدناه في اعمال مؤتمر إعلان التعهدات لوكالة غوث وتشغيل لاجئي فلسطين "اونروا"، الذي عقد يوم الجمعة 12 يوليو الحالي في مقر هيئة الأمم المتحدة، حيث تعهدت 118 دولة من الدول المشاركة بتوفير التمويل الدائم والكافي لبرامج الوكالة، تعبيرا عن تضامنهم مع اللاجئين الفلسطينيين. وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش، ورئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، دينيس فرانسيس، والمفوض العام لوكالة الغوث للاجئين، فيليب لازاريني طالبوا بتقديم دعم لموازنة الوكالة، التي تقدر 1,2 مليار دولار أميركي لتأمين احتياجات الوكالة التي تضاعفت نتاج تفاقم الأوضاع وعمليات التدمير والموت للمؤسسات والموظفين، فلم يقدموا أكثر من نحو 20% من مجمل الأموال المطلوبة، وهذا المبلغ لا يفي باحتياجات الوكالة الا لشهر سبتمبر القادم. وهناك تقدير من العديد من المراقبين أن أموال الدعم التي يمكن ايرادها قبل نهاية العام لا تزيد عن 30% من اجمالي ما تحتاجه الوكالة.
كما ان البيان الصادر عن المؤتمر كان بلاغة انشائية، ولا يتضمن خطة وآليات عمل وتعهدات جادة لتمويل موازنة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين، وحمايتها من التبديد والتصفية، أحد اهم أهداف القوى المتربصة بها وخاصة إسرائيل وأميركا. أضف الى ان البيان لم يشر من قريب او بعيد لمأساة الشعب الفلسطيني خلال الشهور الـ 10 الماضية من حرب الابادة الجماعية، ولا لما أصاب مؤسسات وموظفي الوكالة من موت نهائيا، في الوقت نفسه، ورغم ان ملف التلفيق والتزوير الذي اتهم 12 موظفا من الوكالة بالمشاركة في هجوم السابع من اكتوبر افتضح امره، وتبينت الحقائق بأكاذيب إسرائيل، ما زالت لجنة تحقيق "تتابع عملها" بشأنه، وهذا يشي بان هناك إصرارا على لي عنق الحقائق مواصلة تصفية "الاونروا" على طريق تصفية ملف اللاجئين الفلسطينيين..
بالمحصلة لا يوجد صدى جدي لنتائج المؤتمر، ورصيده محدود الأثر، ولا يفي بالاستحقاقات المالية المطلوبة، الامر الذي يتطلب حث الدول المختلفة الموقعة على البيان على وضع خطة عملية جدية للإسهام في صيانة المؤسسة الأممية الأهم والأكثر جدارة في تقديم المساعدة للفلسطينيين في ال58 مخيما المعترف بها دوليا في الوطن الفلسطيني ودول الشتات لحماية قرابة الـ6 مليون فلسطيني، والعمل على وضع خطط من الآن أيضا لإعادة اعمار ما دمرته حرب الإبادة الجماعية على الشعب الفلسطيني. الكرة في مرمى العالم اجمع، وخاصة الأقطاب الدولية عموما والدول دائمة العضوية في مجلس الامن الدولي، وهي قادرة على تأمين الاستحقاقات المالية واللوجستية لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الاونروا". فهل هم فاعلون؟
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي