عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 14 تموز 2024

ورقة من غزة..!

تغريدة الصباح - حسن حميد

أكاد لا أصدق نفسي!

فهذه القصة قرأتها من قبل مرات عدة،

ومع ذلك أشعر الآن، وقد أتممت قراءتها، أنني أتعرف إليها للتو، وأحس بطعومها اللذيذة للتو أيضاً، فأي سر مخبوء هذا الذي تستطيع أسطر غسان كنفاني الاحتفاظ به، وبلياقة واتزان، لكل قراءة على حدة، بحيث تصير لكل قراءة سعادتها، وطعومها اللذيذة، ومعانيها ومقاصدها الجديدة أيضاً.

منذ أن كنت في عمر المدرسة المتوسطة/الإعدادية/ وأنا أقرأ قصص غسان كنفاني التي هداني، وأترابي، إليها أساتذة المدرسة، ولاسيما حين عشنا حدث اغتياله في بيروت بكاء واستذكاراً لمكانته وأهميته، ومع ذلك، فأنا أقرأ الآن قصته الجميلة/ ورقة.. من غزة/ ، وحين أنتهي منها أجالسها كما لو أنني أعرف شخوصها معرفة الجار لجاره، أو الصديق لصديقه، وأتأثر بها، وأنشد إليها، وأدقق في بنيتها الغنية لعلي أجد فيها ثغرة أو عيباً، بعدما كبرت ووعيت ما على النص الأدبي أن يوافره من أسرار جمالية، وقيم إنسانية، وحذق للقلم الفطين.

وقد ذهبت واعيا إلى هذه القصة، بعد رهان مع نفسي بأنني لن أجد فيها ما سيشدنا إليها أو ما سيؤثر فيّ أدبياً، لأنّ بيننا وبين كتابتها نصف قرن وأكثر، وقد عزز من رهاني هذا قناعتيأن الأحداث الخاصة بالمكان تموت وتذبل  مثل الزهور، وأنّ الزمن القوي/ النفوذ، سيطوي جماليات كانت، ومضت، وأن غبارا كثيراً، وأن الوقت الطويل الذي مضى، وأساليب الكتابة آنذاك، ستحد من تجليات جمال القصة، راهنت على هذا ..من دون أن يخطر ببالي أنني قرأت تشيخوف ودوختني قصصه، وهو الذي كتب قصصه قبل غسان كنفاني بنصف قرن وأكثر، نعم ..لو خطر هذا ببالي ما كنتراهنت على قراءة جديدة لقصة غسان كنفاني (ورقة .. من غزة)، وأنا الذي أعرف أن غسان كنفاني زار غزة من أجل تأسيس الاتحاد العام للكتاب الفلسطينيين مع ثلة من أدباء فلسطين وكتّابها، جاء إليها من بيروت/ القاهرة، وعاش فيها أياماً، وزار مخيماتها في الجنوب والشمال والوسط، وتلبث طويلاً في زيارته لـ مخيم جباليا، وما حوله من أحياء الزيتون والشجاعية والشيخ رضوان.

قصة (ورقة.. من غزة) تتحدث عن المكان الكبير /غزة/ وعن المكان المقصود بالتعيين الفيزيائي /حي الشجاعية/ وفي زمن الخمسينيات، أي بعد النكبة عام 1948بسنوات قليلة.

تقوم القصة على شخوص قليلة، تدور بالحدث حتى يصير عالماً متسعاً، وعلى زمن لحظوي حتى ليصير هو الزمن الكبير بأبعاده الثلاثة (الحاضر، والماضي، والمستقبل)، إنها أربع شخصيات تروي الحدث وتنهض به، اثنتان هما الصديقان، راوي القصة، ومصطفى الذي يسافر إلى بلاد الغرب /أمريكا/ للدراسة فيها، وزوجة الأخ الأرملة، وابنتها / ناديا/ ابنة الثلاث عشرة سنة، أما الشخصية الخامسة فهي أم الراوي المستترة.

مصطفى الصديق الذي مضى إلى بلاد الغرب، يكتب رسالة إلى الراوي، يقول له: إنني انتظرك، لقد هيأت لك كل ما ستحتاج إليه في الغربة، فأنت ستكون شريكي في البيت الذي استأجرته، وأخبرك أنك قبلت  في جامعة كاليفورنيا لتدرسفيها الهندسة المدنية.

  يفرح الراوي برسالة مصطفى الصديق، ويخبره أنه يعيش حياة غربة دبقة، وغامضة، ولا معنى لها، وزمنها مشدودإلى آخر الشهر، أي إلى الراتب، ويخبره أنه وفّر من المال ما يكفي لاقتلاعه من غزة، والوصول إلى أمريكا، ويخبره أيضاً أنه يرسل لأمه، وزوجة أخيه الأرملة وأولادها الأربعة بعض النقود التي تدخل الفرح إلى قلوبهم كل شهر، ثم يخبره بعودته إلى غزة التي شعر بأنه أحبها أكثر، بعد غربة سنة في الكويت، وأنها تجددت واغتنت، وأنه يرى لبيوتها البسيطة جمالاً جديداً، وكذلك لحاراتها، ومحلاتها التجارية الصغيرة، وأزقتها الضيقة، ولشاطئ بحرها أيضا،ً ويخبره  أن زوجة أخيه الأرملة ذهبت معه لزيارة ابنتها / ناديا/ الجريحة التي تعالج في مشفى غزة القريب من حي (الشجاعية)، وهناك في المشفى، رأى ناديا صاحبة الوجه الشاحب كما لو أنه وجه نبي يتعذب، ويقول لها بفرح أنه جاءها بما أوصته عليه / البنطال الأحمر/ وأنه سيعجبها كثيراً، وستزهو به أمام صديقاتها، ويرى علامات وجهها الحزينة، بدلاً من علامات فرحه، لأن ناديا تكشف له عن رجلها التي قطعت من أعلى الفخذ بسبب القنابل الإسرائيلية.

هنا يحضر جمال غزة، ومعنى الاحتلال، ومعنى العيش برجل واحدة،وتذهب فرحة البنطال الأحمر الجديد، وتبدو الأحلام وقد تكسرت وتشظّت مثل قطع الزجاج، لهذا يكتب راوي القصة، عم الطفلة ناديا،  لصديقه مصطفى: لن آتي إليك، عد أنت إلينا، عد لتتعلم من رجل ناديا المبتورة من أعلى الفخذ، لقد كان بإمكان ناديا، أن تنجو بنفسها وتهرب، يا مصطفى ، لكنها رمت نفسها فوق إخوتها الثلاثة لتحميهم، انها لم تهرب، وأنا  مثلها لن أهرب! لن أترك غزة، لن أترك الشجاعية، أنت..عد يا صديقي.. فكلنا ننتظرك!

قصة مكتوبة برهافة متناهية، فيها ثنائية الأمكنة، منفى قريب / الكويت/ ومنفى بعيد /أمريكا/ وفيها ثنائية الأزمنة. حاضر مهدد بالموت بالقنابل الإسرائيلية، ومستقبل محلوم يرى في الغربة النجاة والغنى، وثنائية الصراع بين ثنائية أخرى..هي ثنائية البقاء والمواجهة من جهة، والهروب من جهة أخرى، وفي القصة صراع درامي مهول بين المشتهى ونقيضه.

قصة لم تزل، حتى هذه الساعة ، حارة طازجة،  لكأنّ غسان كنفاني يكتبها الآن عما يحدث في غزة، وفي حي الشجاعية!

ترى،هل هذا هو خلود االمعنى وغناه في الفن؟

الجواب الأتم هو ...نعم!

[email protected]