إسماعيل قادري!
تغريدة الصباح - حسن حميد

أكاد لا أصدق حال هذا الجفاء بين الأدباء والفنانين العرب، في شتى الجغرافية الثقافية العربية، فوق الأرض العربية، وفي بقاع العالم الأخرى، فلا صلات نافعة أو اطلاع حقيقي على المنجز الأدبي الصادر هنا أو هناك، كما لا أكاد أصدق تطورات هذا الجفاء وصولا إلى عداوات مكينة لا تخلو من التقول والغرضية والجهل والتجاهل والمحو والأنفاس الحامضية.
كما لا أصدق ما يقوم به بعض العاملين في الصحف الثقافية ومواقع التواصل الاجتماعي، وهو المتمثل في التراكض المحموم من أجل تقريظ سير الكتاب والفنانين المعروفين في العالم حين تدور الأخبار حولهم أو حين يرحلون، لأن بعض هؤلاء العاملين في الشأن الثقافي، أي من تسند إليهم مسؤولية متابعة الأحداث الثقافية، يكادون يشقون أرواحهم، وليس ثيابهم فقط، حزنا على هؤلاء الراحلين، وكأنهم أشقاء لهم، أو لكأنهم إخوة لهم في الموقف والاصطفاف والمعاضدة، وهم يكتبون عنهم كتابات فيها الكثير من العماء والجهل لأنهم ينقلون ما هو مكتوب عنهم في مواقع التواصل الاجتماعي، ظنا منهم أن المكتوب هو الصدق الذي لا يأتيه الباطل أو يطاله الزيف والفبركة؛ ومن هذه الكتابات ما نراه يكتب في هذه الأيام عن الكاتب الألباني إسماعيل قادري (الذي يستبدل حرف الكاف الأجنبي في اسمه الثاني بقاف عربية)، وفي هذه الكتابة التي تكرر ما قيل في مواقع التواصل، غمط، وتحييد، واستسهال في تثبيت المعلومات من دون تأكيد أو استقصاء أو تعب.
أعرف، وتعرفون أيها الكرام، أن السرعة في نشر الخبر هي هم من هموم الصحافة كسبا للسبق، ولكن ماذا نقول عن النقل المجوف الأعمى، غير الصادق الذي يبعد بعض المعلومات ويحيدها، أو يطويها ويغطيها لكي تكون مضمرة، ما نقوله هنا، هو أن هذه الأخبار ارتضت النقل وقبلت به من دون فحص أو قراءة متأنية.
والحق، هو أن إسماعيل قادري (1936-2024) هو الكاتب الألباني الأشهر في ألبانيا، ولديه مدونة أدبية انهمت بقضايا بلاده ألبانيا، وعلاقتها بالجغرافية البلقانية من جهة المجاورة، مثلما لها علاقة بالفكر الشيوعي من جهة أخرى، مثلما لها علاقة بالفكر الشيوعي من جهة الجغرافية السياسية، ولا سيما زمن حكم أنور خوجه الذي يصف إسماعيل قادري حكمه بصفة الشمولية، أي زل ثقافة الحرية ومعانيها وطيها.
درس في بلاده، ثم انتقل، يوم كان مؤمنا بالفكر الاشتراكي، ومنتميا للحزب الشيوعي الألباني، إلى موسكو ليدرس في معهد غوركي للإبداع، لكنه لم يكمل دراسته. عرف الشهرة من خلال روايته (جنرال الجيش الميت) التي تتحدث عن الحرب العالمية الثانية، وآثارها التي قرت في العقل والوجدان والجغرافية والتاريخ آلاما وأحزانا ومواجع عظيمة، وكان أول من ترجمها من لغتها الأم إلى اللغة العربية الكاتب عبد اللطيف أرناؤوط الذي عاش حياته كلها في سورية، ولكن هذه الرواية عرفت الترجمة إلى لغات أخرى، ولكن من اللغة الفرنسية، وترجمت إلى أكثر من عشرين لغة عالمية، وبها طارت شهرة إسماعيل قادري، ثم طارت شهرته أكثر في بلاد الغرب، ولا سيما في فرنسا، حين فرّ إليها هاربا من بلاده، لأنه أعلن عصيانه من جهة، ومواجهته للفكر السياسي الشمولي من جهة ثانية أيام حكم أنور خوجة، وبذلك غادر مربع الشيوعية، والفكر اليساري، ليدخل عبر مديح جهير لثقافة الغرب، وحرية الفرد، والتنديد بالاشتراكية، ومحاولاتها في صبغ حياة المجتمع الألباني في بصباغ لون واحد فقط، بداية هذا التحول كان في عام 1990، واستمر طوال أربعة عقود، منها سنوات كانت سرية، والسنوات الثلاثون الأخيرة كانت علنية جدا. ما يهمني هنا هو الاقرار بموهبة إسماعيل قادري وبراعته الكتابية، وقدرته على استنطاق التاريخ، وتوظيف حادثاته في النسيج الروائي، وهذا أمر جدير بالثناء، لكن ما يهمني قوله أيضا والإقرار به هو انّ إسماعيل قادري كان صاحب تحولات، وهو في أوج حضوره الأدبي، أي كان صاحب انقلابات على فكره ومواقفه، وأبداها هو هجره للفكر الاشتراكي وتشنيع أو نسف مرتكزاته، والالتحاق بالفكر الرأسمالي والثناء عليه، ثم إدارة الظهر لفكره الذي تبناه وجاهر به وهو المتمثل بمعاداة الاستبداد والظلم والاستعمار، حين قبل جائزة القدس الإسرائيلية التي يمنحها الكيان الإسرائيلي مرة كل سنتين، ومقدارها المالي 10000 دولار، وهو، أي الكيان الإسرائيلي، آخر شكل، وآخر صورة للاستعمار القديم بصوره المتمثلة بالظلم والاضطهاد والتفرقة العنصرية واحتلال الأرض الفلسطينية، وتدمير البيوت، وفتح السجون والمعتقلات حتى باتت مكتظة بالفلسطينيين الذين ينادون صباح مساء: بالحرية والتحرر، ومطالبين بإزالة الظلموت الإسرائيلي الواقع عليهم منذ عام 1948، وقد حاز إسماعيل قادري على جائزة القدس الإسرائيلية 2015 وتسلمها من أيدي الإسرائيليين، في معرض الكتاب الإسرائيلي، وقد فاز بهذه الجائزة كتّاب أعلنوا تأييدهم لقيام الكيان الإسرائيلي على حساب حرمان الشعب الفلسطيني من أرضه أولا، وتجاهل تاريخه العمراني ثانيا، وعيش الفلسطينيين (وعددهم حوالي 7 مليون نسمة) داخل قراهم ومدنهم ومخيماتهم في سجن كبير ثالثا، وتعرضهم لكل صور وأشكال الاضطهاد والاستبداد والتفرقة العنصرية رابعا.
إسماعيل قادري قال في خطابه الذي ألقاه، شأنه في ذلك شأن كل الفائزين بهذه الجائزة، إنه (يثني على القدرة الفذة التي يتمتع بها الإسرائيليون وقد انتزعوا وطنا لهم من أيدي الآخرين). وفي ذلك الزمن 2015 قلنا ردا على هذر إسماعيل قادري وكذبه، الفلسطينيون ليسوا آخرين، يا قادري، إنهم أصحاب الأرض وبناتها، وأصحاب الشجر والحجر والكتب والفنون، والإسرائيلي طارئ، ومحتل، ولص، افتك المكان وحرسه بالقوة الامبريالية، ولولا القوة الإمبريالية لما عاش هذا الكيان الإسرائيلي سنة واحدة لأن الفلسطينيين، يقاومون الظلم منذ قرن كامل، ويدافعون عن حقهم في الحياة والعيش فوق أرضهم، أرض الأجداد والآباء.
اليوم وبمناسبة رحيل إسماعيل قادري، يكتب الكتبة المستعجلون كتابات الثناء لـ إسماعيل قادري، من دون الوقوف عند تحولاته الفكرية، وانقلابات مواقفه الشائنة تجاه الحق والخير والجمال، لأنه ما أراد إغضاب الغرب من جهة، وإغضاب الكيان الإسرائيلي من جهة أخرى، ولعلها هنا، تبدو سقطته التي جعلت مواقفه ضريرة لأنه مشى في الدروب الضريرة.
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي