عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 09 حزيران 2024

دردشة ذاتية

شاهد عيان - محمود أبو الهيجاء

يراودني سؤال متعب..!!! هل الشهادات الجامعية العالية معيار أساسي للكفاءة ..؟؟ قد يكون ذلك صحيحا في الشأن الأكاديمي، الذي على أساسه حاز من نجح في هذا الشأن على شهادته العالية، ولكن حين يتبوأ حامل هذه الشهادة منصبا في مؤسسات الخدمة العامة، كيف يمكن لهذه الشهادة أن تعينه، دون أن يكون لديه معرفة وافرة في الشأن العام، الاجتماعي، والاقتصاي، والسياسي، والاعلامي قطعا ...؟؟  

وقد لا تكون هذه المعرفة كافية بحد ذاتها، دون تعايش بين أوساط الشأن العام على اختلاف مسمياته، والتعايش هو كلمة السر التي تفتح أبواب تلك المعرفة اللازمة، عدا أنه الوسيلة التي تمكن من إدراك طبيعة الذائقة العامة وأهوائها، ليعرف من يدرك هذه الطبيعة، كيفية التعامل معها، وقبل ذلك فإن التعايش يولد المعرفة الأجدى بالبيئة الثقافية وتاريخها، وبالهوية الوطنية وقيمها، كي لا يصاب من يعمل بالشأن العام بالاغتراب فيعود كمن يغني على ليلاه فحسب ...!!!

والمعرفة التي هي شيء من العلم، لن تكون وحدها كافية أيضا، فلا بد من الأدب وأعني أدب الخلق، والتعامل الطيب مع الناس، ويحضرني هنا الدرس البليغ الذي علمته والدة الامام الشافعي، رحمهما الله، لابنها حين عاد بعد رحلة طويلة من طلب العلم والتعلم، فطرق باب الدار عليها، فسألت: من في الباب؟ أجاب: أنا محمد بن إدريس الشافعي. فقالت: بما أتيتني ..؟ قال: بالعلم والأدب، فلم تفتح له الباب ..!! وحين استغرب، وسأل أحد شيوخ المدينة المنورة، قال له: عد وقل لها أتيتك بالأدب والعلم، وحين فعل، فتحت له الباب لتؤكد له فضل الأدب على العلم.

ويحضرني هنا كذلك أبو بكر الرازي، طبيب العرب، والذي وصفته "سيغريد هونكة – كاتبة ألمانية-  بأنه شمس العرب تسطع على الغرب" الرازي درس الرياضيات، والطب، والفلسفة، والفلك، والكيمياء، والمنطق، والأدب، ولهذا وصف بأنه "أعظم أطباء الانسانية على الاطلاق، وله 200 كتاب ومقال في مختلف جوانب العلوم".  لم يحمل الرازي شهادة الدكتوراة لكن التنور الذي كان عليه جعله خالدا في التاريخ، وأعني بالتنور هنا معرفته الواسعة في مختلف قضايا الشأن العام العلمية والفكرية والأدبية.

يبقى أن أقول: بعض الشهادات الجامعية العالية، دخلت سوق السلعة، وبعضها الآخر دخل سوق التباهي والوجاهة الاجتماعية، فحازت على ما حازت عليه من مواقع ومناصب في مؤسسات الخدمة العامة، وأقول بعض لأنه ما من تعميم وإطلاق في هذا الأمر أبدا، ولطالما كان هناك الرجل المناسب بالشهادة المناسبة في المكان المناسب.