الدبلوماسية السينمائية .. غزة ومهرجان "كان"
عمار جمهور

تعتبر السينما إحدىأهم الأدوات المهمة التي تستخدمها الدول للترويج لنفسها أمام الجمهور الخارجي وتسويق صورتها الذهنية، ومن هنا تجدر الإشارة إلى أهمية ما بات يعرف بـ “الدبلوماسية السينمائية” وأهميتها كحقل من حقول الدبلوماسية العامة والثقافية، ولدورها في تطوير نظم الدبلوماسية العامة وزيادة فاعلية القوة الناعمة للدول وأهم أذرعها السياسية. ويرى البعض أن الدبلوماسية السينمائية جزء من الدبلوماسية الثقافية لأنها وسيلة لبناء الروابط الدولية القائمة على العوامل الثقافية، وتبادل الثقافات وتناقلها بما يساهم في بناء علاقات ثقافية بين الشعوب.
ومن البديهي القول إن السينما كأداة قوة ناعمة تعمل على تسويق رواية الدولة من خلال الأفلام بكافة أنواعها ولا سيما الروائية، وبدأت أهمية صناعة الأفلام في العلاقات الدولية خلال الحرب الباردة وسعي كل قطب من قطبي النظام الدولي عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 حتى العام 1989 والمتمثل بالاتحاد السوفييتي والدول، التي تدور في فلكها “حلف وارسو” والولايات المتحدة الأميركية والدول التي تدور في فلكها “حلف الناتو”، إلى الترويج لمنظورها الفكري “الاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي” ولروايتها الإعلامية. ولذلك اعتبرت السينما إحدى الأدوات الاستراتيجية للترويج للدولة.
ومن هنا، فإنه ليس من المستغرب تلك الحملة التي تعرضت لها القضية الفلسطينية في مهرجان كان السينمائي. وبالرغم من ذلك أصبح المهرجان منصة لعدد من المشاهير لدعم القضية الفلسطينية من خلال رفع "البطيخة" بحكم الوانها الاخضر والاحمر والاسود كحقيبة أو كوسام كدلالة سيميائية للعلم الفلسطيني، أو من خلال ارتداء فستان يتضمن ألوان العلم الفلسطيني أو من خلال رسم العلم الفلسطيني على أيادي المشاهير، أو ارتداءالإشارة الحمراء التي تعني “أوقفوا الحرب الآن”
وقد تم تمثيل فلسسطين خلال المهرجان من خلال ما قدمه المخرج والمنتج الفلسطيني رشيد المشهرواي من أفلام عرفت بالمشروع "من المسافة صفر"، والذي تضمن قرابة الاثنين وعشرين مشهدا، وثقت تجربة الحرب على قطاع غزة، والمعاناة التي يتعرض لها الفلسطينيون في القطاع جراء القصف والقتل والتدمير والترحيل، والتصدي لمحاولات طمس الرواية الفسطينية ومنع انتشارها على شاشات السينما. وتعتبر هذه التجربة مهمة لأنها وبموازاة الحرب على قطاع غزة، فإنه توجد حرب على الصورة والرواية والقصة والسردية ولا سيما رواية الاحتلال، الذي يحاول تسويق سرديته وروايته.
ولذلك، فمن المهم أن تكون لدينا صورتنا وسرديتنا الفلسطينية من هذه الأفلام التي تم إنجازها خلال فترة الحرب على القطاع، وذلك بالرغم من الإعاقات الكبرى التي واجهت طواقم العمل داخل قطاع غزة وصعوبة التواصل مع المخرج والمنتج وطاقم العمل خارج القطاع، جراء انقطاع التيار الكهرباء، وكذلك بسبب انقطاع الإنترنت. وعدم وجود وسائل النقل والمواصلات لتنقل طاقم العمل، الذي يعاني ما يعانيه الفلسطيني في القطاع، وما يقع على عاتقه بداية من الحفاظ على حياته تحت القصف إلى حقه في الحصول على طعام وغيره من أساسيات الحياة أسوة بغيره
ورغم منع كل أشكال التضامن لفلسطين والإشارة للشعب الفلسطيني فقد تم عرض الأفلام في مكان خاص فيما يعرف بخيمة مستوحاة من واقع حياة النازحين في رفح. وتم تنظيم تظاهرة سينمائية مع غزة من قبل عدد كبير من المخرجين والسينمائيين والمشاهير والنجوم والصحفيين، لدعم القضية الفلسطينية والرواية والسردية الفلسطينية، وعرضها أمام الجمهور الغربي قدر الإمكان.
الحرب على الشعب الفلسطيني ليست حربا فقط على الارض وليست في وسائل الإعلام التقليدية ووسائل الاعلام المجتمعية والرقمية، وانما في السينما. فالرغبة في اسكات الصوت الفلسطيني وطمس الرواية الفلسطينية هو الشغل الشاغل للتراسنة الاعلامية الصهيونية ومن لف في فلكها. وهنا فإنه لا بد الى الاشارة الى اهمية السينما في نقل صورة معاناة الفلسطيني ولا سيما خلال فترة الحرب وقبلها وبعدها.
وتنبع اهمية هذا الطرح انطلاقا من ان السينما تؤثر على الادراك العام وتعمل على تنميط الصورة المتخيلة عن الفلسطينية في الذهنية الغربية، والتي سيطرت عليها الرواية الغربية المعتمدة على السردية الاسرائيلية ونفت السردية الفلسطينية وحدت من وصول فحواها، وقيمها الثقافية وما انبثق عنها معارف نبيلة وحضارية مستمدة من عمق الحضارات التي تعاقبت على ارضها. وتحاول الولايات المتحدة واسرائيل والدول الغربية التي تدور في فلكها من وصول لذلك لجماهيرها، بل عملت وما زالت على تكريس هيمنتها وغطرستها الثقافية.
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي