الشاعر العراقي محمد نصيف: قصيدة النثر ليست شعرا
آية الخوالدة

عمان ـ انتقل الشاعر العراقي محمد نصيف إلى الأردن حاملا معه هموم العراق وجروحه، وتبنى الدفاع عن الوطن في القصيدة العمودية والشعر الفصيح لما يحمله من بساطة في التعبير وجزالة في المعنى.
نصيف الذي يؤمن بأن القصيدة العمودية صعبة للغاية، وجدها اللون الأدبي الأجدر بتناول العراق وما عاشه ويعيشه من معاناة وتهجير وتمزق، حيث صدر ديوانه الأول بعنوان «الأزهار تموت في آذار» وأعاد نشره في طبعة جديدة، فيما حمل ديوانه الثاني عنوان «على أجنحة الجراح»، ويعمل اليوم مذيعاً ومقدماً للبرامج في قناة الرافدين الفضائية، جامعا بين الهم السياسي والعالم الإبداعي في الشعر.
■ ديوانك الشعري في طبعته الثانية «الأزهار تموت في آذار» يدور حول تجاربك الشخصية مع المرأة، فيما تمحور ديوان «على أجنحة الجراح» حول الوطن، هل يستطيع الشاعر ان يفصل بين كليهما؟!
□ بالطبع لا، لان الشاعر حينما يحب يقول الشعر، سواء أكان هذا الحب موجها نحو امرأة أو وطن أو مجتمع أو مدينة، ولا يستطيع الفصل بينها، هو يحب بغض النظر عن هوية ذلك المحبوب. وهنالك الكثير من قصائدي التي اجتمعت فيها المرأة والوطن، ففي قصيدة «أسماء» تحدثت عن معاناة بغداد، وقصيدة «خطاب إلى جريحة» وجهتها إلى زميلة صحافية أصيبت بشظية في معصمها، وتناولت من خلال حكايتها جراح الوطن.
كما ان المرأة تعتبر أيضا وطن، فالشاعر يعتبر المرأة المتكاملة والذكية والأنثى العطوفة وطنا له، واحيانا أخرى نكتب عن مدينة وكأننا نخاطب امرأة.
■ لماذا أنت مقل في إصداراتك الشعرية؟!
□ اشتغل كثيرا على القصائد التي انشرها، وليس بالضرورة ان يصدر الشاعر ديوانا حتى يُعرف انه شاعر، فبعضهم لا نعرف من إبداعهم إلا قصيدة واحدة او مجموعة صغيرة منها، مثل ابن زيدون وقصيدته «أضحى التنائي بديلا عن تدانينا»، وقصائد ابن زريق البغدادي، والذي حين يُذكر تحضر قصيدته «استودع الله في بغداد لي قمرا».
وهنالك أيضا قصيدة ابن يزيد بن معاوية وتسمى «اليتيمة» لأنه عُرف شاعرا من خلالها، وهذا لا يعني ان لا يصدر الشاعر الدواوين فهي تقدم له هوية وتحقق له بصمة واضحة في المشهد الثقافي.
بينما الأسباب الأخرى لقلة اصداري الدواوين، فهو عملي في حقل الإعلام والسياسة وواجبي تجاه الوطن والاحتلال والقضايا العامة، جميعها تؤجل مشروع الطباعة. لكن لدي قصائد تكفي أربعة دواوين، جزء منها جاهز للنشر وآخر في حاجة إلى تتمة أو مراجعة.
■ لماذا لم تكتب قصيدة النثر، وهل تعتقد أنها تصنف شعرا؟!
□ لا أظن اني سأكتب قصيدة النثر، اذ اعتبرها جنسا أدبيا يضم خيالات حالمة وصور جميلة، لكنها ليست شعرا، نحن ورثنا القصيدة ضمن معايير وخصائص معينة، واهمها الوزن أي الإيقاع الموسيقي.
حينما نسمع النص الأدبي، نميز من الوهلة الأولى ان كان شعرا أم نثرا، فلماذا الخلط ، الشعر يُكتب على ميزان شعري، ثم تأتي اللغة والخيال والتصوير؛ هذا الخلط المتقصد من البعض، يهدف لتقديم شعراء لا يعرفون شيئا حول الشعر.
بالاشارة إلى قصائد الشعر الحر أو التفعيلة، فكتابها أنفسهم اعترفوا بأنهم يريدون الهروب من قيود القصيدة العمودية من أجل التعبير بشكل اوسع ومنح الفكرة فضاء اوسع ومع ذلك فالشعر الحر يكتب على وزن أيضا، ومنهم نزار قباني.
القصيدة العمودية صعبة للغاية، فعلى الشاعر أن يضع الفكرة في اطار محدود، وعدد تفعيلات وقافية واحدة وحرف روي واحد وبعض الشعراء وقعوا في خطأ تكرار القافية أو الاستعانة بكلمات لا تفيد المعنى بسبب القافية.
■ هل اصبح الشاعر الذي يؤمن اليوم بالعروبة والمقاومة، محاربا؟ وكيف يمكن للكاتب ان يكسر القيود على عمله ومنها الأحزاب؟!
□ بالطبع، فالمشاريع التي تقود البلاد في الداخل والخارج هي الطائفية التي تصطدم مع القومية التي لطالما اعتبرت عنوانا شاملا، على ان لا تعادي الدين والعقيدة، وهو ما لم يعد متوافرا في مشروع القومية، لذلك أصبحت الحياة فاشلة في العراق بسبب المنهج الطائفي.
لذلك أمام الكاتب العراقي ثلاثة خيارات، وهي إما ان ينضم مع الأحزاب الطائفية الفاشية أو يصمت أو يغادر العراق، وهم النسبة الأكبر، فحتى من يريد ان يكون محايدا سيُقتل، بعضهم بقي في العراق لصعوبة ظروفه المادية ويحاول قدر المستطاع ان يتجنبهم.
■ كيف تصف الساحة الأدبية العراقية اليوم بعد الاحتلال وزواله؟ هل حقا زال الاحتلال؟!
□ المشهد السياسي ينعكس على كل زوايا الحياة وعلى كافة المشاهد، فإذا كان المشهد السياسي مربكا تملأه الفوضى وصاحب القرار عبارة عن زعيم عصابة، فماذا نتوقع من باقي المشاهد.
للأسف المشهد دامي في وجود الاحتلال وتشكيل عملية سياسية سيئة وعرجاء وانعكاس إدارة الحكومة الحالية على الوضع، فطغى القتل والميليشيات والإجرام، ولا أظن أن في مقدور هؤلاء أن يفهموا معنى بيت الشعر والزهور والطيور، كما لا أظن ان الحكومة الجديدة قادرة على تقديم مشهد ثقافي يرقى إلى مستوى الطموح.
■ الروايات نقلت إلى حد كبير معاناة الشعب العراقي في الداخل والخارج وألم الغربة، هل نقله الشعر أيضا، أم لم يحظ بذلك الاهتمام؟!
□ تعد كل الأصناف الأدبية بشتى أنواعها وصفا لمشهد معين يعيشه الكاتب. فالرواية إلى حد ما، جزء منها من الخيال، لكن الكاتب لا يستطيع ان يتجاوز فيها الواقع، بينما يتحدث الشعر عن الواقع برمزية ومباشرة واضحة.
هناك من يتبنى وجهة نظر بأن الرواية هي الجنس الأدبي الرائج والمسيطر، لكن يبقى الشعر الأقوى في العالم العربي مقارنة بالرواية التي تحظى بالاهتمام في الغرب، وفي الغالب يبحث المهتم عن القصيدة وبيت الشعر، والدليل على ذلك شدة الحضور في الأمسيات الشعرية مقارنة ببقية الأجناس الأدبية الأخرى، بالاضافة إلى تفاوت نسبة الجمهور نسبة إلى شهرة الكاتب وعلاقاته الاجتماعية وحضوره في المشهد الثقافي؛ ومن الأمور الدالة على اهمية الشعر توجه الكثير من الروائيين والقصاصين لكتابته.
■ لكن الملاحظ في الساحة الثقافية هو العكس، توجه الشعراء إلى كتابة الرواية طمعا في الحصول على الجوائز؟
□ نعم صحيح، ليس لكتابة الرواية نفسها بل سعيا وراء الحصول على المنافع، لكن الشاعر المبدع يبقى شاعرا وإن كتب الرواية، سيقدم نفسه على أنه شاعر، مثل تجربة نزار قباني وإصداره «الشعر قنديل اخضر» نصوص نثرية تحدث فيها عن علاقته مع الشعر ونظرته تجاهه، كما أن الروائي أيضا لن يكتب الشعر واذا جرب كتابته سيعرّف بنفسه على انه روائي.
أما بالنسبة للجوائز الممنوحة إلى الشعر والشعراء فهي كثيرة، فهنالك في الساحة العربية جوائز شعرية كبيرة تتبناها دول مثل أمير الشعراء وشاعر المليون وجائزة كتارا في قطر، قصيدة مدح الرسول، فيما تقتصر جوائز الرواية على المهرجانات ومعارض الكتب والمسابقات.
■ ما هو دور البيت العراقي الثقافي في الأردن؟!
□ تأسس البيت العراقي الثقافي منذ عامين، وهو بيت دافئ يجمع العراقيين في الأردن، نحاول عبره تقديم ما يعزز دعائم إيماننا بوجوب تحرير العراق اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، لذلك يتجمع الأدباء والمثقفين والمهتمين في أمسيات وندوات ثقافية ونسخّر قدراتنا الثقافية لجمعهم على وجهة واحدة قدر المستطاع.
■ كيف تجد حال المثقف والكاتب العراقي في الغربة؟!
□ للأسف الشديد، المثقف العربي في غالب الأحيان يكون محاربا ومغمورا. وهنا أدعو الإعلام والصحافة الثقافية إلى تحفيز المجتمع وإعادة القصيدة والهاجس الثقافي إلى المجتمع بشكل عام، اذ في الغالب تسلط الصحافة الأضواء على الشاعر والكاتب الذي لا يستحق بسبب وجود أجندات خاصة، بينما هناك أدباء فحول بارعون لكن لا نسمع عنهم إلا ضمن دائرة اجتماعية صغيرة ولا يجدون فرصتهم من الشهرة، علما بأن القراء يسعون إلى متابعة كل ما يكتب الشعراء والكتاب المعروفين، وهنا تضمن الصحافة ان يتلقى القارئ مضمونا جيدا، كونها أولت اهتماما بالكاتب الذي يستحق.
■ يشكو كثير من الكتاب، من طغيان العلاقة المادية بين المبدع والناشر، فما رأيك؟!
□ يفكر الناشرون في الربح والخسارة، لكن بعضهم يلتزم أخلاقيا تجاه الوطن والقضية ولذلك يتعامل مع الكاتب المغترب معاملة خاصة، أو مع الكاتب المقاوم والعروبي، ويقدر ظرفه المادي وظروف حياته في الغربة.
لكن لا شك ان الماديات تخلق حساسية، خصوصا حينما لا يكون الناشر واضحا في الكشف عن ارقام المبيعات وإخفاء الأرباح عن المبدع، فدور النشر تتباكى دائما حول غياب الأرباح.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين