دبـابيـــس
دينا سليم– كاتبة فلسطينية تقيم في أستراليا

السنوات دبابيس
الذكريات دبابيس
الأوطان دبابيس
فم العقرب، كلية النملة ودودة القز التي تزحف خائفة في حديقتي، ساق الوردة وحتى ريشة الطائر،
كلها دبابيس!
في المهجر تشعر بالبرد أكثر، عفوا في الغربة، كما اتفق على تسميتها، لنعد إلى الخلف قليلا.
في المدينة التي عشت فيها أيام الصّبا، كلما رنّ جرس الباب، سألنا قبل أن نفتح الباب:
- ميــــــــن؟؟؟ بصوت أجش غليظ لأننا خشينا من الطارق مجهول الهوية دائما!
أما في الضيعة التي عشت فيها أيام الشّباب، وكل سكانها من العرب، كلما رنّ جرس الباب، الباب مفتوح، قلنا:
- تفضّـــــــل...بكل اعتزاز واطمئنان حتى نجد الضيف قد أصبح داخل البيت قبل أن نكمل كلمتنا.
فأهل الضيعة، كل يعرف الآخرفلاحاجة للسؤال، ثم لا تنسوا أنه (نسبيا) لم تهوّد مزارعهم أثناء النكبة.
في (بريزبن) الأسترالية، المدينة التي أقيم فيها الآن، لاأحدي طرق الباب!
الباب مغلق حتى الربيع الآتي.
لنعد إلى الماضي قليلا، فمن لا يملك ماضيا لا يملك حاضرا!
لقد حثوني على فكرة الزواج، فلم يتركوني أستمتع بمراهقتي، ولم أعرف ما هي المراهقة، خشية أن أقع مصيدة العانسات أمثال (بنات الدبّاس) الشقيقتان الوحيدتان اللاتان أقامتا في حيينا قبل سنوات كثيرة من ولادتي، حيث قطعت بهما السبل عندما أغلقت الحدود في حينهبين فلسطين والأردن، أصبحتا مثالا مخيفا تحتذى به جميع الفتيات،أنا واحدة منهن، ابنة السابعة عشر، عندما سقطت صورة هاتان العانستان في ذهني مثل المصيدة وأصبحتادبوسا مغروزا في المخ يسمى الخوف من (العنوسة). أما إن سألتم عن الحيّ فأقول لكم، إنه حيّ المحطة في محطة سكة الحديد اللد فلسطين، بقي من بقي فيها ورحل من رحل في حينه عندما أعلنوا تأسيس الدولة اليهودية، حيث تشتت أكثريتنا ووجدنا أنفسنا في الضفة الغربية، وبقي منا من بقي في الداخل حتى أصبحنا جميعا، في الداخل والخارج، عوانس بدون أقرباء مثل (بنات الدّباس).
لكن... لم يتذكرهما التاريخ على أنهما خدمتا العرب، وقد وصل بهما الحال لنشود أرقى المراتب في حينه، فكانتا الجندي المجهول الذي سهر على راحة أهل الحيّ من خلال عملهما الإنساني حتى مماتهما، لكني كتبت عنهما في روايتي المستقبلية.
تذكرت الآن كبكوبة الدبابيس التي اعتمدتها والدتي في معصمها عندما خاطت لي فساتيني، شكني الدبوس الذي نسيته فصرختُ قائلة:
شكني دبّوس في خاصرتي يا أماه!
كم أنتِ دلوعة يا أماه ... تقولها لي ساخرة صغيرتي (مرمورة) الآن، (إبرة بحجم الدبّوس شكّت ذراعكِ فتألمت...ياي شو دلوعة أنتِ يا أماه، ويسألونني شبيهة من أكون؟) وذلك عندما سحبتني من يدي عنوة وأدخلتني عيادتها لكي تطمئن على السكر الذي لم يجرِ بعد في دمائي، فحص روتيني خضعت له لكي ألبي طلبات التلميذة النجيبة التي تسير نحو النجاح... أجزم أن إبرة الفحص هذه أجمل دبّوس شكني حتى الآن، وأن (مرمورتي) الصغيرة التي كبرت بسرعة، أجمل ما في حاضري ودنياي.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين