في فلسفة الحكم والاحتكام
د. حازم قشوع

فإذا كان التشخيص وسيلة قياس معرفة بمقاييس الحدود وكان التجريد أداة استدلال تُعرف بالاستنتاج وتضيف للصورة المُسخلصةَ ضِلع التجسيد وكان القلم يُشكل تلك الضابطة الوازنة للإيقاع بين منهجية التَقليم وأداب التثقيف فإن الحقيقة المُستخلصة تكون غير مُطلقة بل نسبيةَ كَونها تقع ضمن ميزان المعرفة القويم الذي يتأرجح بِحكم حركة الحياة بداخله ولا يثبت الإ عند سكونها حيث النهاية التي لا منتهى لها بالعلوم الكونيةَ لكون الكون يحوي مليارات المجرات وترليونات النجوم ما بالك بالكوكب الذي يدخل بأنماطها وهو ما يؤكد أن ميزان الحركة دائم وأن مسالة التغير تقوم على التنقل، وستبقى على هذا الحال إلى أن يشاء الله.
ولأن بيان المعرفة يتشكل من أداة الوزن وميزان البيان، وترسم تصوراتها وحدود ضوابطها بواقع التضاد بين المرجعية القيمية وصورة التجسيد فأن العلوم الإنسانية تتشكل بين الوحي القيمي والصورة التجسيدية، هذا ما يبنه النموذج القائم في معادلة الحياة، فالإنسان كما الجبال والأبحار تعرف من باب التشخيص كونها جمعياً تحوي على نظم محددة ذات أطر بائنة أما الإنسانية فهي مرجعية قيمية تعرف بالاستدلال كما يعرف الصوت والضوء وما بينها من آفاق بالسمة الوصفية الدالة عليها وتظهر للعيان نتيجة فعل عبر صدى أو ظاهر نتيجة.
وحتى لا نغرق بعلوم الفلسفة ونبحر بمنطق التكوين فإن علم أتباع هذه المنطقات المبدئية تأتي عبر نماذج عمل حياتية وتتطلب من الحكيم الوقوف عند السبب بدواعيه الذاتية وحواضنه الموضوعية من دون الإغراق بتفاصيل المسبب لدواعي التشخيص بل بالوقوف عند الأسباب الكامنة فى مدخل التجريد هذا لأن طرفي هذه المعادلة تشكل بأركانها أداة قياس صحيحة في حال ترافق المسبب مع السبب بذات التعليل وحملت نتائجها استخلاصات مفيدة بالمعنى الضمني كما بالشكل الكلي.
وهو ما يمكن إسقاطه على معادلة أخرى فى ميزان التقييم عند تحديد حواضن الانطباع وبناء أوزان الحقيقة لأن الحقيقي
بهذا المقام أداة تجريد بينما الانطباع يشكل بكل حواضنه وسيلة تشخيص تقوم على نموذج الحركة وآلية التحرك بينما تعتبر الحقيقة حالة قيمية وصفية وأداة تجريدية تبنى من الباطن من وحي الاستدلال ولا تعرف بالظاهر من واقع محددات تشخيصية وهو ما يجعلها كامنة وأن كانت مكتوبة يقرأها العموم ويعرف ماهيتها الخصوص.
وهذا ما يجعل المرء يعيش حياته بحركة دائمة أما تحت ضغط أو يرزح تحت معاناة فإن كان تحت ضغط جاءت أحماله معلومة نتيجة تطلع يريد تحقيقه أوطموح يريد إحقاقه بهدف تحقيق الذات ونيل المراد وإن اتخذت حياة المرء طورا آخر فإنها تحمل طابع المعاناة (مرضية كانت
أو مادية) لكنها بالغالب تأتي لاكتساب معرفة أو جني حكمة وهو ما يجعله أقوى وأكثر صلابة وأوسع إدراكا ومعرفة كونها تدخله بامتحانات تفيد التعلم أو في اختبارات تضيف إليه اكتساب مهارة التكيف من الباب الخشن حيث القساوة أو من المدخل الناعم حيث الغرائز.
فإن قام المرء باجتياز هذه المرحلة رفعته الأقدار إلى منازل أخرى لتعود من بعد ذلك اختبارات الحياة للعمل من جديد وتحمله أحمالا مضافة ناتجة عن مسؤوليات
عن تلك المنزلة التي وصل إليها، وتستمر عجلة الحياة بالدوران ويستمر معها المرء بالتفاعل بشعوره وأحاسيسه لتبقيه الحياة في شغل دائم وانشغال مستدام الإ أن ينتقل من الحياة الدينا إلى الحياة العليا حيث الراحة الموعودة ..
هذا لأن الحياة بكل ما فيها هي مجموعة من مراكز للطاقة تحتوي على محطات استقبال كما تحوي على مراكز إرسال وما بينهما لا يوجد إلا موصلات ناقلة تتحرك ذاهبا وإيابا بمجالات مبينة بواسطة موجات موصلة ضمن ميزان التضاد الذي بدوره يحفظ توازن الأجسام عبر معادلة حركة الحياة القائمة على مجالات التنافر ومراكز التجاذب الذاتية والموضوعية.
وهو ما يجعل الإنسان يعيش فى حركة دائمة ويتخذ أشكالا تجسيدية متعددة لوحات تعبيرية تعكس بظلالها على كل منزلة يعيش فيها من لحظة بداية الإدراك إلى منزلة صوت المنطوق وفي اتجاه مسارات الفعل حيث العمل والحركة.
فإذا كان البصر ثنائي الأبعاد والبصيرة هي من تجعله يمتلك ثلاثية الأبعاد من باب الاستدلال التجريدي الواصل للعلوم العقلية عبر المعرفة فإن قلم التشخيص المرئي لن يكون قادراً لتحقيق حالة التصور الكلية من دون دمج موجة التشخيص الحسية بعامل التجريد الإدراكي ... وهذا ما يجعل حياة الإنسان تدور دائماً بين منطوق الفهم وعناوين الاستنتاج وهو ما يبرز على السطح معادلة الشك واليقين.
وهذا مرده إلى ذلك المضمون التجريدي الذى يقوم على الدلالة المعرفية حيث النسبية ولا يقوم على التجسيد الحسي، الذي يظهر اليقين الحاضر الغالب في معادلة بيت القرار الإنسانية حيث "البال" هذا لأن الإدراك في هذا المقام يأتي مع منظور الدلالة وليس من منطوق العبارة.
فالظلم لا يرى كما العدل لا يشاهد لكن يمكن الاستدلال على المظلوم من الدافع وبيان العدل من وحي ميزان رضي تماماً كالصلاة التي لا يمكن مشاهدتها لكن يمكن رؤية من يصلي أمامك هذا لأن العدل والصلاة والظلم والإنصاف جميعها تحمل مقاييس تجريدية تقوم على الاستدلال ولا تقوم علي التشخيص إلا عند بداية تشكيل صورة العبارة وهو ما يجعلها تحمل مقاييس مستترة العناوين كما يجعلها تخلط عنوان الحقيقة الحسية عند الإنسان مع الصور الانطباعية ذات الأبعاد التقديرية عن التقيم وهو مبتدأ العبارة الذي أريد إيصالها.
وأما الخبر فأنه يأتي من ميزان الحكم الذي يقوم على الاحتكام التجريدي فإن ميزان الإصدار يجب أن يحمل العدل قوامه وهو لا يستقيم من واقع تقوم البصر بل يتأتى من جملة البصيرة التي لا بد أن تنسجم بالمفهوم التجريدي مع قيم العدالة التي هي قوام الحكم.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل