البروفيسور الفلسطيني ضياء معتصم.. من أميركية بيروت الى رئاسة دائرة الأمراض الجلدية في مستشفى جامعة سنسيناتي بولاية أوهايو

بيروت- الحياة الجديدة- هلا سلامة- من مخيم برج البراجنة الى قمم الطبابة في اميركا، سيرة فلسطيني أبحر في عالم العلم والمعرفة، معتصما بإرادة صلبة أتاحت له تخطي مهالك الحياة ومآسي شتات تفتحت عيناه عليه وهو الذي أبصر النور عام 1953 في كنف عائلته التي لجأت عام 1948 من بلدة ترشيحا الواقعة في الجليل الأعلى شمال فلسطين الى لبنان.
ضياء معتصم، بحث عن مكامن الضياء في حلكة العتمات، منذ كان طفلا، لم يتجاوز السنتين من عمره، وقد داهم شلل الأطفال جسده الطري، فراح يبحث عن عكاز الحياة التي يرتضيها لنفسه الأبية، وبين أكون أو لا أكون، كان، لا بل إنه ابى إلا أن يصبح علامة فارقة بتخصصه في "طب الأمراض الجلدية".
كان عمر ضياء 6 سنوات حين أدخل الى مشفى قرطباوي الداخلي المختص بالشلل في منطقة عالية في جبل لبنان لبضعة أشهر، كي يجهز لحركة المشي عبر جهاز طبي خاص، ليعاود بعدها الى منزل أهله في برج البراجنة، وتبدأ رحلته التعليمية بين مدارس اليرموك وفيصل والانجيلية في منطقة ضبية، ويلتحق بعدها بالجامعة الأمريكية في بيروت عام 1971 في قسم الطب ويتخرج طبيب صحة عامة عام 1979، ثم طبيبا مختصا بالأمراض الجلدية عام 1983.
خلال الاجتياح الاسرائيلي لبيروت، درس معتصم الاطباء الجدد في الجامعة الاميركية، ثم غادر بيروت الى الولايات المتحدة الأميركية بهدف التخصص بأمراض المناعة والعودة اليها بروفيسورا، إلا ان رئيس دائرة الأمراض الجلدية الدكتور آمال قربان نصحه بالبقاء هناك فاستجاب لنصيحته، ما اضطره أن يعيد دراسة الأمراض الجلدية في جامعة "جونز هوبكنز" ثلاث سنوات بالاضافة الى سنة امتياز واجراء تمرينات تتعلق بالصحة العامة كي يسمح له بممارسة مهنته.
في بداية العام 1998 تبوأ معتصم رئاسة دائرة الأمراض الجلدية في مستشفى جامعة سنسيناتي في ولاية اوهايو الأميركية، أي بعد ثماني سنوات من عمله فيها، وهو اليوم البروفيسور المسؤول عن الأمراض الجلدية المستعصية وأمراض المناعة الجلدية فيها، يعالج المرضى ويدرب الأطباء الناشئين.
قدم البروفيسور معتصم اجتهاده في عالم طب الأمراض الجلدية ولمع اسمه مرة أخرى في تخصصه الاضافي في التشخيص المجهري، حتى أضحى في اوهايو والولايات المجاورة لها مرجعا كبيرا في علمه وأخيرا بالنسبة لأطباء الجلد، يرسلون مرضاهم من ذوي الحالات المستعصية إليه لتقديم تشخيصه الدقيق والنهائي.
أصدر البروفيسور معتصم عشرات المقالات العلمية في اختصاصه وكتبا بالإنجليزية تناول فيها علم الأمراض الجلدية، في كتابه الصادر هذا العام بالإنجليزية في الولايات المتحدة "في المرض والصحة: قصة العناية الصحية" In Sickness and in Health: A Health Care Story، يدعو د. ضياء معتصم إلى إعادة النظر في سبل إصلاح نظام العناية الصحية وكيفية تطويرها.
تبرز انسانية البروفيسور معتصم وتأثره بوطنه واللجوء وعائلته من خلال كتاب له يحمل عنوان "موريدا".. وموريدا هي أخته التي كانت تربطه بها على ما يبدو واضحا علاقة اخوة صادقة وودية الى أبعد حدود، يأخذنا معتصم في روايته الى فصول مهمة من معاناة المرأة التي لجأت مع والديها وشقيقتيها من وطنهم فلسطين الى لبنان إبان نكبة 1948 متطرقا الى جرائم الاحتلال في اقتلاع أصحاب الأرض من أراضيهم وبيوتهم والتنكيل بهم، معرجا على حياة اللجوء، ومخيمات الحرمان، وحقوق الفلسطينيين اللاجئين الضائعة، ثم ينقلنا الى فترة الحرب الأهلية اللبنانية حين فرت موريدا الأم وعائلتها من مخيم اللاجئين في بيروت إلى الإمارات العربية المتحدة حيث كافحت في ذلك البلد الجديد لتغطية نفقات عائلتها وتربية أطفالها، وفي العام 2006، يتوقف الكاتب مع ما واجهته أخته في أصعب معاركها مع مرض سرطان الثدي ومحاولاته الحثيثة في الوصول اليها ومساعدتها ودعمها من موطنه الجديد الذي يبعد عنها مسافات طويلة.
في الخامس عشر من أيار 2009، تم تدشين "مكتبة ضياء معتصم" للأمراض الجلدية في بيروت، مبنى بيار يوسف أبو خاطر (فهد) لقسم العيادات الخارجية في شارع كليمنصو قرب المركز الطبي في الجامعة الأمريكية في بيروت، بحضور البروفيسور معتصم وعدد من الشخصيات الطبية ومسؤولي الجامعة أبرزهم نائب رئيس الجامعة للشؤون الطبية وعميد كلية الطب والمركز الطبي الدكتور نديم قرطاس، ومدير المركز الطبي الدكتور منذر قزيلي، ورئيس دائرة الأمراض الجلدية الدكتور عبد الغني كبي.
هو الأثر الجميل الذي خلفه الطبيب الفلسطيني المميز، الثائر والعنيد، ذو الخلق الرفيع والروح الانسانية العالية بالنسبة لكل من عرفه من كوادر تعليمية وطبية ومرضى ما زال كثيرون منهم يستشيرونه عن بعد وهو المتعاون في رسالته الى أبعد حدود.
في اتصال اجرته "الحياة الجديدة" مع البروفيسور معتصم في أميركا، تحدث عن الثمن الذي يدفعه الانسان الفلسطيني، عن المخيم ومعاناته، قال: "أعمالنا ونجاحاتنا جزء منها تعويض عن كل ما خسرناه وأردنا في كل ذلك ان نبرهن أننا موجودون".
سألنا البروفيسور معتصم عن أهم الشخصيات التي تأثر بها ايجابيا في حياته قال: أولا أمي (فوزية علي) التي عاشت ظروفا صعبة منذ كانت في فلسطين، هي أمية، ومع ذلك كان لديها الاصرار والالحاح على نجاحي دون أدنى جدل ولو بالقسوة أحيانا، لم تستسلم لحالتي المرضية انما توقعت مني الكثير وبالتالي كانت ارادتي تعظم كلما عظم أملها بي، وثانيا، زوج أختي الكبيرة محمود كمال الآغا، وهو الرجل الأول الذي دخل بالمصاهرة الى منزلنا، كان في العشرينيات من عمره بينما كنت لا أتجاوز الثلاث سنوات، رافقني بمحبته، احتواني بكل تفاصيل حياتي، كان يحدثني عن خبرته في الحياة، عن النجاح، الحب، الأغاني.. حتى شعرت بتبنيه لي، كان لديه الايمان المطلق بقدراتي وايمانه هذا كان يتسرب لي بهدوء، هكذا استطاع محمود ان يمدني بالارادة الايجابية ويرسخ عزيمتي على دروب النجاح.
"مجرور المياه في المخيم والعكازان وقشرة موز على الطريق".. كلمات رددها معتصم على مسامعنا تلخص رحلة معاناته الشخصية حين كان طفلا في مخيم برج البراجنة قبل أن يشق جدار اللجوء حسبما شاء، ليحلق بنجاحاته في فضاء العالم الكبير، ويحفر اسمه في أعلى قمم التميز، هامة من هامات فلسطين وشجرة من أشجارها الصلبة، وروح تتوهج كشعلة عصية على الرياح العاتية.
مواضيع ذات صلة
عرابة: الاحتلال يواصل تجريف أراضِ لليوم الثالث
أم رمزي.. حكاية أم تطعم 50 فردًا بالصبر والعمل
كيسان.. قرية تواجه الاقتلاع والاستيطان
اقتصاد محاصر.. هل تنجح "يلا ع نابلس" في إنعاش سوق فقد 70% من نبضه؟
مجسم "الفاضلية" في طولكرم.. شعلة تروي حكاية العلم والصمود
تصعيد خطير في المسجد الأقصى: عشرات الآلاف يؤدون الجمعة ومحاولات متكررة لإدخال "القرابين الحيوانية"
لم يبق من الصحفي السمودي إلا صوته!