عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 12 آب 2023

في ذكرى شاعر نودع شاعرا آخر

15 عاماً على رحيله.. محمود درويش والحياة الثانية للشاعر

بقلم: سمير اليوسف، شاعر وكاتب فلسطيني يعيش في لندن

لم أقرأ عن زكريا محمد، منذ انضمامي إلى الوسط الثقافي قبل 35 عاماً، بقدر ما قرأت عنه في غضون الأيام القليلة اللاحقة لوفاته. أنا نفسي لم أكتب مساهمتي المتواضعة حول دور جيل الشاعر الراحل في احياء القصيدة الفلسطينية، إلا بعد سماعي خبر وفاته، مع أنني كنت قد أزمعت كتابتها منذ وقت طويل.

الموت سلطان حاسمَ ونهائي القرار. وهو لا يحملنا فقط على الإنضواء في مراسم التشييع والعزاء وإنما أيضاً الحداد من خلال الإستدعاء والذاكرة المتعلقة بالفقيد وبأية فكرة مرجأة تتعلق به وبأعماله.

ولكن هناك سبب آخر عبّر عنه محمود درويش، في مطلع كتابه "في حضرة الغياب"، حيث يقول مخاطباً نفسه:

"ولنذهبن معاً أنا وأنتَ في مساريّن:

أنتَ إلى حياةٍ ثانية، وعدَتكَ بها اللغة، في قارئ قد ينجو من سقوط نيزكٍ على الأرض.

وأنا إلى موعد أرجأته أكثر من مرة، مع موت وعدته بكأس نبيذٍ أحمر في إحدى القصائد."

كتب درويش "في حضرة الغياب" قبل عامين من رحيله. وهو بمثابة حوار داخلي فلسفي النزعة ما بين الشاعر ونفسه، ما بين درويش المُقبل على الرحيل والغياب ودرويش الذي سيذهب إلى حياة ثانية، حياة هي وعد اللغة لكلِ شاعرٍ بقدر احسانه استخدامها وتوافر القارئ الناجي من داء الإكتفاء بالعابر.

كُتب الكثير عن محمود درويش منذ وفاته وحتى اليوم. والكثير مما كُتب كان بمثابة انضواء في مراسم الجنازة والحداد. ولكن أهم ما كُتب وسيكتب هو بمثابة إحتفاء بالحياة الثانية للشاعر وفاء لوعد اللغة المشروط بوجود قارئ ينجو من سطوة الإنبهار بالراهن والزائل.

ولقد أدرك درويش باكراً بأن اللغة لن تفي بوعدها، لن تكون الأرملة الوفية بعد رحيل الشاعر، ما لم يكن الشاعر عاشقاً مُخلصاً لها في حياته. والإخلاص المقصود ليس بكتابة إنشاء منمق مزخرف بالمحسنات البلاغية وإنما بربط اللغة بالزمن وتعريف الزمن تعريفاً لغوياً. وهذا ما أجاد درويش فعله طوال حياته الإبداعية.

لطالما زعم البعض، عن حسنِ طويةٍ أو خبثها، أن الكثير من قصائد درويش لن تصمد أمام امتحان الزمن نظراً إلى صلتها الوثيقة بالحوادث السياسة العابرة. ولكن الزمن برهن بأن درويش كان مدركاً لبواطن الزمن أبعد من الزاعمين، المُغرضين منهم والأبرياء.  درويش إبن فلسطين، إبن أرض الكلمة، (والكلمة هي الله)، أدرك باكراً أن التاريخ عندنا لا يُسجَّل تسجيلاً تعاقبياً خيطياً، من ماض إلى حاضرٍ فمستقبل، وإنما دائرياً. ما جرى بالأمس سيجري ثانية وثالثة وحتى يوم الدينونة. هيغل وماركس ودارون وفرويد ليسوا لنا!

ونحن إذ نقرأ "مديح الظل العالي" التي تعود كتابتها الى أربعين عاماً أو "احمد الزعتر" قبل خمسة وأربعين عاماً أو حتى "بطاقة هوية" قبل ستين عاماً، لا غرابة أن نشعر بأنها كُتبت لأجل اليوم أيضاً. ذلك أن ما حصل قبل ستين عاماً يحصل اليوم أيضاً وسيحصل غداً في سياق المُستعاد الأبدي.

نُحيي ذكرى رحيل درويش الخامسة عشر في وقت نودّع زكريا محمد ونستعد لإستقباله في حياته الثانية. هل كان زكريا محمد وفياً للغة وفاء درويش، ومن ثم فإن اللغة ستفي بوعدها له؟

سؤال مطروح والإجابة تتوقف على الزمن.